أيها الشعب العظيم

الساعة 10:31 مساءاً
رشا عمران

رشا عمران

في مسرحية "ناطورة المفاتيح"، للأخوين رحباني وفيروز والمجموعة، تقرّر "زاد الخير" البقاء في مملكة سيلينا التي يحكمها الملك "غيبون العادل خادم الشعب"، كما يطلق على نفسه. وغيبون هو أحد الطغاة الذين يحمون بلادنا، يقتل ويعتقل وينسب المملكة له، ويقاسم الشعب على نصف ممتلكاته، ومن ليس لديه ممتلكاتٌ يعمل لديه بالسخرة طوال حياته، لا يعترف برفيقٍ أو صديقٍ أو مستشار قريب. المملكة له، مزرعته الشخصية، وشعب المملكة، العظيم كما يسمّيه، ليس سوى مجموعة من الأجراء والعبيد والمحكومين من حاكمٍ يرى نفسه على رأس العدل، فكونه ملكا هو حق إلهي، وعلى الشعب عدم عصيان أمره، كونه أمر الله أساسا. عصيان الأمر بمثابة التجديف، والتجديف عقوبته الموت، يفيض الأمر بالشعب العظيم، ويقرّر الرحيل عن المملكة. وحدها زاد الخير ترفض الرحيل، لأنها ترى أن الأرض ليست ملكا له، وعلى أحد أن يبقى كي يحرس مفاتيح البيوت المهجورة، إذ ذات يوم سوف يعود أصحابها إليها. بعد رحيل الشعب، تعود الملكة التي كانت في زيارة مملكة أبيها، وهي تتوقع استقبالا شعبيا، لكنها تُفاجأ بأن الاستقبال رسمي. وعندما تحتج، يسألها الملك عن حاجتها للشعب في الاستقبال، فتقول له "بيعطوا منظر"!
وبعيدا عن الرومانسية التي يقدّمها الرحابنة دائما، في أعمالهم المسرحية، في العلاقة بين الحاكم والشعب، إذ دائما ينتصر الخير، ويبقى الحاكم حاكما، لكنه يتحوّل إلى حاكمٍ عادلٍ وطيب القلب، في رؤية طهرانيةٍ، كنسيةٍ إلى حدٍّ ما، إلى الحياة عموما، والسلطات خصوصا. ربما مسرحية "جبال الصوان" الوحيدة التي نجت من هذه الطّهرانية. بعيدا إذا عن هذه النظرة، تبدو فكرة "الشعب العظيم" عامة، فكل الطغاة العرب يخاطبون شعوبهم بالشعوب العظيمة. كل زعماء الأحزاب الإيديولوجية يمتلكون الخطاب نفسه عن مريديهم، بحيث تبدو عظمة هذا الشعب أو ذاك آتية من رغبة الحاكم المستبدّ، كلامه وخطابه هو ما يضفي العظمة على الشعب، الشعب الذي يعاني الفقر والتهميش والتجهيل والتخلف والإقصاء، وكل ما يمكن أن يتركه أثر الاستبداد على الشعوب. ومع ذلك، يعم الهيجان وسط جموع الشعب الغفيرة، حين يخاطبها حاكمها بـ "يا شعبي العظيم" ! في "ناطورة المفاتيح"، حين تلتقي زاد الخير مع الحاكم، ويكتشف أنها الوحيدة الباقية من الشعب يخاطبها أيضا بلقب "زاد الخير يا شعبي العظيم المحبوب"!
على أحدٍ ما أن يكون دائما هو الشعب العظيم، كي لا تموت هذه الفكرة، الفاشيّة إلى حد كبير. كان هتلر ذات يوم يخاطب شعبه بالعظيم، فعلها ستالين أيضا، وماوتسي تونغ، زعماء أفريقيا الطغاة والمستبدّون يسمّون شعوبهم العظيمة، الزعماء العرب طبعا. والمشكلة أن خطابا كهذا يتركّز في لاوعي الشعوب، فتعتقد أنها فعلا شعوب عظيمة، ناسية أن بينها اللص والمنحرف والقاتل والجاهل والنصّاب والخائن والمجرم والسارق والمرتشي والمتسوّل والمتحرّش والمغتصب والكاذب والمنافق، مثلما فيها الصفات المعاكسة لهذه، عدا عن أن فكرة الشعب العظيم شوفينية عنصرية، تفترض أن الشعوب الأخرى أقل عظمة من الشعب العظيم المقصود، وهو ما يجعل بقايا النازيين في ألمانيا، حتى هذه اللحظة، يعتبرون الآخرين شعوبا تستحق الموت، لا سيما اللاجئين الذي يرون بدورهم أنهم قادمون من شعوبٍ عظيمة، فيتعاملون مع اللاجئين من جنسياتٍ أخرى باستعلاءٍ مدهش، كون شعوبهم ليست شعوبا عظيمة!
هجتني، يوما، سيدة مثقفة، لأنني تحدّثت عن ظواهر سيئة رأيتها في الشعب الذي تنتمي له، قائلة إنه لا يحق لي الحديث عن شعب بلدها العظيم، مع أنني تحدّثت عن ظواهر يتحدّث عنها أهل البلد أنفسهم، لكن الاستعلاء الشوفيني مدّ رأسه مباشرةً لدى حديثي، أنا الغريبة القادمة من شعب أقل عظمة! واللافت أكثر أن أصحاب نظرية الشعب العظيم يستنفرون مباشرةً إذا ما انتقدت سياسة بلادهم، أو انتقدت الزعيم الحاكم، ويهاجمونك لكونك تمسّ بكرامة الشعب العظيم، إذ يدرك وعيهم الباطن أن هذه النظرية يعتمدها المستبدّون والطغاة، ليسيطروا على شعوبٍ تسير بوعيها العاطفي، لا العقلاني.
يقول السوريون اليوم عن أنفسهم إنهم شعب عظيم، السوريون بكل القيح الذي طفا بعد الثورة. المصريون كذلك، العراقيون، اللبنانيون، الخليجيون، شعوب المغرب العربي، الأردنيون والفلسطينيون، بكل الخراب الذي نعيشه نحن العرب، لكننا نتعامل بوصفنا شعوبا عظيمة، بينما شعوب الدول المتقدّمة والمتحضرّة قد تسخر تماما من مصطلح الشعب العظيم، أو ربما من مفردة الشعب بحد ذاتها، فالقيمة هناك للفرد والمواطنة، لا أكثر

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص