الإنسان بين الإيثار والاستئثار

الساعة 07:50 مساءاً
أ.د .عبد العزيز المقالح

أ.د .عبد العزيز المقالح

قليل هم الناس الذين يؤْثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصه، وفقاً للآية القرآنية الكريمة التي تؤكد على أهمية الإيثار والخروج من دائرة الذاتية إلى عالم الإنسانية الأوسع، حيث يتبادل الجميع المنافع العامة، ويقدم كل شخص غيره على نفسه، وهو ما نراه في المجتمعات المتقدمة وفي خصائصها الاجتماعية، وما تحتاج إليه بالتأكيد المجتمعات المتخلفة. والتخلف هنا تعبيرٌ صادق وواضح عن انعدام قيمة الإيثار.

من الصعب جداً على المجتمعات الأنانية أن تتقدم وتتغير أحوالها لهذا السبب ولأسباب أخرى متعلقة به. وحيث لا يوجد الإيثار لا يوجد التماسك، ولا الشعور المشترك، بل يبقى كل فرد من هذه المجتمعات حائراً يدور حول نفسه. ونحن نرى في الواقع أفراداً يجذب بعضهم بعضاً إلى الخلف، وهو ما لا يحدث على الإطلاق في المجتمعات المتقدمة كما سبقت الإشارة إلى ذلك أكثر من مرة.

ومن هنا فإن القول صحيح جداً بأن ما ينقص المجتمعات الأقل نمواً والأكثر تخلفاً هو هذه القيمة الإيثارية، حيث تتلاحم وتتناغم فئاتها المختلفة على طريق التحول المنشود. ومن المؤسف والمؤلم أن تكون مجتمعاتنا العربية كلها، بلا استثناء، صورة مرعبة للأنانية وعدم الإيثار، وهو ما يجعلها قابعة في هذا الحال الذي هي عليه، وأي نقلة جديدة تستدعي تغيير النفسية العربية القلقة، والتي لم تعرف بعد كيف تنطلق ويؤْثر كل شخص فيها غيره على نفسه.

وينبغي التأكيد على أن هذا المعنى قد تحول في الشعوب المتقدمة إلى سلوك حياتي وتعبير ذاتي لا يتبينه المرء بسهولة، رغم أنه الحاكم والمتحكم في سلوك الناس وتصرفاتهم وفقاً لما يعكسه حال أقرب شعب من هذه الشعوب التي أدركت أن مسارها المتقدم يتوقف على هذه المعاني وهذا السلوك.

لقد آن لنا أن نتمثل بواقع تلك الشعوب وأن تنطلق إرادتنا من إسار الذات، وما يترتب عليه من تبعات ارتجاعية، وانكسارات روحية ومادية.

إن ما ينقص مجتمعاتنا العربية أكثر من موضوع، لكن قضية الإيثار هي ما ينقصه في الدرجة الأولى، ليتمكن أفراده من اكتشاف طريق التماسك والانطلاق بعيداً عن التوقف الإرادي في وجه التحديات التي يفرضها مجتمع التصادم وصراع الذاتيات. وتمثُّل هذا السلوك ليس صعباً ولا مستحيلاً إذا أراد شعبٌ ما أن يستكمل وجوده ويحقق أحلامه ويتحرر من أنانيته وشعوره الطاغي بالذات المتضخمة، تلك التي نجحت في عرقلة الطريق والخلاص.

 

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص