عن الإحباط الممنوع علينا

الساعة 08:25 مساءاً
نجوى بركات

نجوى بركات

في مراهقتي، كنّا نأخذ على بعضنا بعضا (وكنّا زمرة من الفتيان والفتيات اجتمعت في بدايات الحرب الأهلية، ونسبت إلى نفسها انتماء يساريا والتزاما جادًّا، وإنْ غير حزبيّ، بفعل صغر أعمارنا ووجودنا في المناطق "الانعزالية"!) أيَّ شعور باليأس أو الاكتئاب أو الحزن، باعتبار أنّ تلك المشاعر المتشائمة السلبية أبعد ما تكون عن الثوريّة، بسبب برجوازيتها القميئة التي تشكّك في أنّ الرأسمالية مرحلة تاريخية عابرة، وليست نهاية التاريخ، وبحتمية سقوط البرجوازية وانتصار البروليتاريا. هكذا، كان ممنوعا علينا، مثلا، وكنّا نحن أيضا من أوّل المانعين، أن نحبّ الفنّ البرجوازيّ، السينمائي والغنائي والمسرحي، كونه يساهم في تخدير الشعوب، واستلاب وعيها الطبقي، فكنّا نقيّمه على هذا الأساس، مردّدين مع الشاعر بول إيلوار: أصيح بحزني، حتى أحمل الصمَّ على أن يصرخوا معي، والأسرى الذين يصيبهم النور بالمهانة، الفقراء يجمعون خبزهم من على الطريق، وأنا أسمع حديثًا خفيضًا حذرًا، عن أمل عريق كبير في ضخامة اليد الإنسانية.
.. اليوم، وبعد مرور عقود على مراهقتي "الثورية" تلك، ومع بدء ثورة لبنان في 17 أكتوبر من هذ العام، ومرور نحو ثمانية أسابيع عليها، أخشى أن أعترف لذاتي، كما للآخرين، بما أشعر به من خوفٍ ويأسٍ وإحباط، لظنّي ربما أن ذلك قد يتحوّل عدوى تنتشر خفيةً بين الناس، فتحبطهم وتنزع حماستهم وإيمانهم بضرورة الاستمرار وضرورة التغيير، لا بل بقدرتهم على الاستمرار من أجل إحداث ذلك التغيير.
55 يوماً ونحن نرود الشوارع والساحات، نهتف ونطالب ونعترض، نصرخ ونندّد ونستغيث، والحاكم مستمرّ في صمَمه، مثابر في لامبالاته، ماضٍ في سياساته القاتلة العمياء. ثمّة من بيننا من خلع عنه ثوبَ الحياة، وقفز إلى القاع مرتطماً في حجارته، باصقا الدماء. في أسبوع واحد، انتحر عدة أشخاص. قالوا بموتهم يأسَهم وفقرَهم وقهرَهم وذلَّهم، فتهافتت الأقنيةُ التلفزيونيةُ، وحامت فوق جثثهم كالغربان، قبل أن تنزل إليها لتقوم بنهشها بتحاليلها النفسية الرخيصة، وخطابها المتآمر القميء الذي يرى في يأس اللبنانيين "مرضا نفسيا" ليس إلا، وضعفا أو عدم قدرةٍ على مواجهة "الضغوط". وكأنها بذلك تدعونا إلى مزيد من الانتحارات، كي نكذّب تحاليلَهم الكاذبة، كي نستردّ منهم موتنا، جثثنا، مأساتنا التي لم يعد يقدر عليها أيُّ كلام.
نشعر باليأس والإحباط، أجل، وإنْ كنا مصمّمين على الاستمرار، وإنْ كنّا ثوّارًا، بل لأنّنا ثوّار، فمن نواجههم ليسوا من النوع المعتاد. هم قتلة ومجرمون ومرابون وتجّار نخاسة ومرتزقة. من نواجههم كثرٌ وعديدون، ولا يخضعون لأيّ اعتبار، لأيّ قانون، لأيٍّ من معايير الأخلاق والضمير والوطنية والانتماء الإنساني. وحوش كاسرة (هذه ليست استعارة) بأنياب من فولاذ، وألاعيب من حريق، وأيادٍ من سُمّ.
يحاصروننا في رزقنا، في عيشنا، في خبزنا. 30% من اللبنانيين يعيشون اليوم، بفضلهم، تحت خط الفقر، 10% منهم في ظلّ فقر مدقع. ومع بداية عام 2020، ستبلغ النسبة هذه 50%، بحسب إحصاءات البنك الدولي. 36% بطالة، 60% بطالة بين الشباب، ونحو 800 ألف سيدة من حاملات الشهادات أصبحن فقط ربّات بيوت. حرق، انتحار، بيع أعضاء، فيما يتهدّدنا استمرارُ الأزمة وانخفاضُ القدرة الشرائية وتراجعُ قيمة النقد وغيابُ فرص العمل. لقد أدّى الركود الاقتصادي إلى إقفال مؤسساتٍ كثيرة، وانضمّت فئات من الطبقة الوسطى المتهالكة أصلا إلى الفئات الفقيرة، بعد أن حاصرتها المصارف، واضعة يدها على جنى العمر والمعاشات والمدّخرات.
ماذا بعد؟ بلى، هنالك بعد الكثير مما لا يتّسع له وصفٌ. يأسٌ وقرفٌ وضيقُ عيشٍ تملأ أكيالَنا وتؤجّج فينا إرادةَ الخلاص، وهي ربما دفعت كثيرين منّا قريبًا إلى الكفر بكل شيء، بدءًا بسلمية المظاهرات...

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص