النظارة في المتحف

الساعة 06:05 مساءاً
سما حسن

سما حسن

حتى لا يتّهمنا الآخرون بأننا جهلاء، نقع أحياناً في فخ التقليد الأعمى، وربما نمضي في طريق التقليد، حتى نغرق في مستنقع الجهل، ويصبح الخروج منه صعبا أو محالا، وربما كانت محاولة الخروج ذات ثمن باهظ، وقد يعلن الآخرون الذين قلدناهم أننا منشقون عن القطيع، فطريق التقليد هروبا من تهمة الجهل هو أحد طرق هلاك البشر من الفرد إلى الجماعة، لأن هذا الأسلوب باختصار عقبة وحجر عثرة في تطوير الذات. على سبيل المثال، ترك مراهق أميركي نظارته على أرضية أحد المتاحف، وكمن في مكان قريب، لكي يراقب رد فعل الجمهور، وقد قام بتصوير رد فعل الزوار الذين تجمعوا حول النظارة، وبدأوا يلتقطون لها الصور من كل الزوايا، على أساس أنها إحدى تحف المتحف. ولم يشغل أحدهم عقله، ويتساءل عن العلاقة بين النظارة الحديثة والتحف التي يزيد عمر أحدثها عن مائة عام على الأقل. ثم تقدّم المراهق، والتقط نظارته بهدوء، ووضعها فوق عينيه أمام دهشة الجمهور الغبي، أو مدّعي الثقافة، أو الخائف من نعته بالجهل، أو ربما الجمهور الذي جاء لزيارة متحف، ومن الطبيعي أن يلتقط الصور لكل شيء تم وضعه أمامه، حتى لو كان فردة حذاء أفلتت من قدم طفل صغير تحمله أمه، وتدحرجت بين المعروضات. 
ذكّرتني الحادثة بقصة ذيل السمكة ورأسها؛ زارت إحدى الزوجات حديثات العهد بالزواج صديقة لها لكي تتعلم منها الطهي، فلاحظت أنها تقلي السمكة بعد قطع ذيلها ورأسها، فسألتها عن السبب، فلم تعرف، واتصلت بأمها التي اتصلت بالجدة لتسألها عن السبب، لأن الأم تقوم بالأمر نفسه، فما كان من الجدّة إلا أن ردّت ببساطة بأنها تفعل ذلك منذ سنوات طويلة، لأنها لم تكن تملك مقلاة كبيرة تتّسع للسمكة كاملة. وهكذا فقد ورثت الابنة ثم الحفيدة هذه العادة، من دون أن تسأل الواحدة منهن نفسها لماذا تفعل ذلك، علما أن منظر السمكة كاملة يكون فاتحا للشهية، حين توضع على المائدة، بعد نزع أحشائها بالطبع بطريقة فنية، بحيث تحتفظ بشكلها "سمكة". 
يمكن أن يطلق على ما يحدث بأنه السير وراء القطيع، من دون أن نكلف أنفسنا مغبة السؤال، والبحث والتقصّي وتحريك البرك الراكدة. وكم ورثنا من عادات وتقاليد وسلوكيات، مارسناها على مر الزمن، حتى كادت تنطوي تحت مسمّى المحرّمات، لأننا رأينا من سبقونا يقومون بها، ولا يُعقل أن نشذ عن الآباء والأجداد، ولو كان الثمن باهظا، والنتيجة فادحة الخسائر، ولو أطلّ علينا الآخرون من العالم الآخر وهم يصفوننا بأننا عالم ثالث، أو حتى عالم متخلف، على الرغم من أننا قدنا شعلة العلم قرونا مضت. 
ومن القصص الشعبية التي تثير السخرية، ما فعله أخوان، حين مات حمارهما في الصحراء، فبكياه وقرّرا أن يدفناه تكريماً له. وحين بكيا فوق قبره، مر بهما قوم فسألوهما عن مكانة الفقيد، فخجلا أن يقولا الحقيقة، وأخبرا القوم إنه من أولياء الصالحين، يُدعى أبو الصبر، فجلس القوم حول القبر، وأشعلوا النار، وأجزلوا العطاء للرجلين، وسرعان ما تحول قبر الحمار مزارا يؤمه الناس، وينذرون فوق قبره النذور، حتى بلغ الرجلان من الثراء مبلغه. وهنا اختلفا حول المال، وأقسم كل واحد أنه صاحب الجزء الأكبر منه، حتى أقسم أحدهما بالولي الصالح المدفون قربهما، وهنا صاح الآخر ضاحكا "ده احنا دافنينه سوا". 
وهكذا نقف في أماكننا لا نتحرّك بسبب تقليدنا الأعمى، وتصديقنا كذبة. ونفعل مثل الآخرين حفاظاً على الثوابت، إلى درجة أن قصة المراهق التي اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي ليست جديدة، بل مرت عليها ثلاث سنوات، ولكنها متداولة بشدة هذه الأيام على أنها قد حدثت أمس، على الرغم من أن المراهق كبر وصار رجلاً، لا يسير خلف القطيع بالتأكيد.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص