بازار الدراما الرمضاني

الساعة 03:23 صباحاً
خطيب بدلة

خطيب بدلة

يتعامل معظم الناس مع شهر رمضان على أنه مقدس. ويستند هذا التقديس إلى أن الصيام من أركان الإسلام الخمسة، ومن ثم لا يجوز الحديث عنه إلا ضمن صيغة المديح، والثناء، والحمد.. ولكن هذا يتناقض مع حقيقة أن رمضان تَحَوَّلَ، وبالأخص في العصر الحديث، إلى طقسٍ اجتماعي صاخب، بل ويمكن القول إنه أصبح مهرجاناً كبيراً للبيع والشراء وإنتاج الفُرْجَات والتسالي، بينما يحتل الجانب الديني الوعظي جانباً صغيراً من نشاطاته المحمومة. من هذا المنطلق؛ يمكن الذهابُ إلى أنه من حقنا، ومن واجبنا أيضاً، أن نحترم خصوصيتَه الدينية، ونترك الخوضَ في هذا الجانب لأهل الاختصاص، ثم نمضي لنمارس حريتنا في انتقاد النشاطات والظواهر الأخرى التي أصبحت ملازمةً لشهر رمضان، وخصوصا البرامج والمسلسلات التلفزيونية.

يبدأ الإعداد لبرامج رمضان في معظم محطات الإذاعة والتلفزيون قبل شهرين أو ثلاثة أشهر من قدومه. بعضُ البرامج تُسَجَّل وتُعَالَجُ فنياً حتى تصبح جاهزةً للعرض ابتداء من اليوم الأول من رمضان، ويهيئون لبعضها الآخر الأوراق المكتوبة والأجهزة الفنية اللازمة، ويسمّون فريقَ العمل الخاص بها، لأجل بثها على الهواء مع بداية رمضان. هذا كلام عادي بالطبع. أما المدهش فهو أن أكثر من نصف الأشخاص الذين يشكلون كوادر البرامج الرمضانية لا يصومون، من دون أن يعرف أحدٌ إن كانوا يفطرون لأسباب صحية، أو نتيجة ضعف الإيمان، ومَنْ لا يصدق فليسأل عمّال الندوات والكافتيريات في المحطات التلفزيونية عن ظاهرة ارتفاع مبيعات الكعك والسندويش والشاي والقهوة خلال شهر رمضان من كل سنة. وأما المسلسلات التلفزيونية فتُكْتَبُ وتُصَوَّر وتُنْفَقُ عليها ملايين الدولارات خلال زمن لا يقل عن ستة أشهر.. وأياً كان الوقت الذي أُنْتِجَتْ فيه، فإن أشرطتها توضع في صناديق خاصة، وتُرسل إلى محطات العرض العربية، لأجل اقتنائها، وتحضيرها للعرض في رمضان المقبل.

مما هو معروف، في التلفزيون السوري مثلا، أن الشهر الذي يسبق رمضان يشهد صراعاً محموماً بين المنتجين والمخرجين على برمجة المسلسلات التي أنتجت في هذه السنة، لعرضها في أوقات مشاهدة عالية من اليوم الرمضاني، فالمسلسل الذي يُعرض في آخر السهرة، حيث يتجه معظم الناس إلى النوم، أو الذي يعرض في فترة صلاة التراويح، لا يحقق نسبة جيدة من المشاهدات، والمسلسل أو البرنامج الذي يُعْرَضُ بعد الإفطار مباشرة يحظى بنسبة مشاهدات عالية.. وأما المسلسل ذو "البخت المايل" فهو الذي يَخرج من المنافسة الرمضانية، ويتقرّر عرضُهُ في وقت لاحق من السنة.

خلال الزمن الطويل الذي استغرقته المنافسات الدرامية، ابتداء من انطلاق فورة الإنتاج الدرامي السورية التي بدأت في أواسط التسعينيات (أكثر من ربع قرن)؛ تخلصت الأعمال الدرامية، تدريجياً، من سطوة الرقابة الخاصة بالمحطات المتزمّتة، لأن عدد القنوات التلفزيونية العربية المستهلِكة للإنتاج الدرامي زاد على نحو كبير، وأمسى المنتجون يحققون أرباحهم المنشودة، سواء اشترت المحطاتُ المتزمتة إنتاجَهم أو أحجمت عنه، ومن ثم ما عادوا يُلزمون أنفسهم بتقديم أعمالٍ بالغة التهذيب والاحتشام. ومن هنا أصبح بإمكان الممثل الذي يؤدّي شخصيةً ما، في مسلسلٍ ما، أن يدخن. ولا يوجد مانع أن يلتقي رجلٌ وامرأة ليست من محارمه، ويتبادلان التحية "مباوسة"، وكثر في المسلسلات السورية شرب الكحول، وأصبحت الخيانة الزوجية أمراً شائعاً فيها، حتى إن أحد المسلسلات الشهيرة ألقى الضوء على شاب منحرف باتجاه المثلية، وهذا كله يعرض في رمضان، ويلاقي أعلى نسب المشاهدات.

هنا أسجل ملاحظة يمكن اعتبارها موقفاً: لستُ ضد أن تتضمن الأعمالُ الدرامية ألوانَ الحياة السياسية والاجتماعية والأخلاقية والسلوكية المختلفة، ولكن المستغرب هو الإصرار على حشر كل هذه الأعمال في شهر رمضان، حتى كاد أن يتحوّل إلى سوق، أو بازار.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص