"سيّدات القمر" والجائزة

الساعة 02:05 صباحاً
معن البياري

معن البياري

تطلُب رواية العُمانية، جوخة الحارثي، "سيّدات القمر" (دار الآداب، 2010)، قارئا غير متعجّل، متدرّبا على الأناة والتمهّل في قراءة الروايات التي ينحو كاتبوها إلى تجريبٍ في مبناها، يقوم على تداخل الأزمنة والأصوات، وتقلّب السرد من نقطةٍ متقدّمةٍ إلى أخرى متأخرّة، وبالعكس، من دون إسعاف القارئ بمفاتيح في متاهةٍ كهذه. ولذلك، ربما يرى بعضُنا عذرا لمن رموا هذه الرواية بأنها مملّة بعض الشيء، ولكنهم غير معذورين إذا ظنوا أن الرواية حكايةٌ على كاتبها أن يبسطها بيسر. لا تصنع الأستاذة الجامعية في الأدب العربي القديم، والباحثة، والقاصة وكاتبة قصص الأطفال، جوخة الحارثي (41 عاما)، هذا، ولا تُهادن قارئها. ومن ذلك أيضا أن "سيّدات القمر"، بالإضافة إلى الإيحاء بالتشظّي في العالم الذي تقيمه، جرّاء مناورة الأزمنة فيها، الممتدّة نحو ثمانين عاما في قريةٍ عُمانية (متخيّلة!)، ليست رواية حدثٍ مركزيٍّ، له بؤرةٌ يتوزّع منها القص في مساحاتٍ سرديةٍ فرعية، قليلة أو كثيرة، وإنما هي محكياتٌ عن شخصياتها غير القليلة التي يجمعها فضاءٌ مكاني واحد، أولا، قبل أن يمضي بعضُها في ارتحالاته. وتجمع كثيرين من هذه الشخصيات ثيماتٌ أساسيةٌ، ظاهرةٌ وخافية، في وسع القارئ، الصبور (وإنْ في مطالعته 230 صفحة فقط)، أن يلتقطها، الفقد والحب الصعب والاشتهاء والخسران، مع أنفاسٍ من التمرّد وإرادة الخلاص والتخفّف من مكابدة الشقاء. وإذا كانت الشخصيات النسائية في الرواية، الأخوات الثلاث وغيرهن، يتبدّى فيهن هذا كله، ويعبّر عنه السرد بشأنهن، بحرارةٍ تشفّ عنها اللغة، الحاذقة في إحالاتها وإيحاءاتها، فإن الشخصيات الذكورية يتمثّل فيها هذا. وذلك كله في مجرىً زمنيٍّ، نجحت الرواية في مُرادها أن يكون عريضا، يمتد إلى ثلاثة أجيال، وفي تصوير مجتمعٍ مغلقٍ في قريةٍ عُمانية، مطبوعةٍ بالتقليدية، ومجاورةٍ للبداوة، يتلقّى هبّات التمدين والتحديث، لتنجم عنها تأثيراتٌ ظاهرة، لا على المكان وسكّانه فقط، وإنما على خيالات شخصيات الرواية وأشواقها. 
ما الذي جعل لجنة التحكيم لجائزة مان بوكر البريطانية (الدولية) تختار "سيّدات القمر"، بعنوانها الآخر بالانكليزية "أجرام سماوية" (العنوان الأصلي أجمل وأكثر إيحاءً)، من بين 108 روايات مترجمة إلى الانكليزية من 28 لغة، لتفوز؟ ما الذي تفوّقت فيه على كل هذه الروايات، بحسب ذائقة اللجنة وميولها أولا وبداهةً، أو أقلّه على الروايات الخمس الأخرى في القائمة القصيرة، لأربع كاتباتٍ وكاتب، منقولةٍ عن الفرنسية والألمانية والبولندية والإسبانية؟ وهل لترجمة الأميركية، مارلين بوث، دخلٌ في تميّز ما قرأته اللجنة التي قالت رئيستها إنها ترجمةٌ دقيقة، وثريّة لغويا، وتمزج في إيقاعها بين الشعر واللغة الدارجة؟ هل لامس إتيانُ الرواية على العبودية وتجارة الرقيق في سلطنة عُمان، في زمنٍ مضى، أنفاسا استشراقيةً في موروثٍ بعيدٍ، مقيمٍ في مخيال محكّمي الجائزة، فمالوا إلى النص المترجم، وتكريمه بالجائزة؟ ليس في وسع صاحب هذه الكلمات أن يجيب على أيٍّ من هذه الأسئلة، وإنما في وسعه أن يخالف من أخذهم خبر الفوز الأول من نوعه عربيا إلى كلامٍ عن عدم تقدير "سيّدات القمر" عربيا، وعدم نيْلها أي جائزةٍ عربية. والصحيح أن هذه الرواية استُقبلت بتثمين نقادٍ وكتّابٍ عربٍ غير قليلين، احتفوا بلعبة السرد فيها. أما الصلة بين استحقاقها جائزةً بريطانيةً وعدم نيْلها جائزةً عربيةً فمفتعلة، فأعمالٌ عربيةٌ أحرزت جوائز عالمية لم تستأهلها، وهذه قصص مازن معروف "نكات للمسلحين" وصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة مان بوكر، مع "سيّدات القمر"، وكانت قد نالت جائزة الملتقى العربية التي ترعاها الجامعة الأميركية في الكويت. كما أن رواية أحمد سبعاوي "فرانكشتاين في بغداد" كادت تنال الجائزة البريطانية العام الماضي، وكانت قد أحرزت "بوكر" العربية. 
بإيجاز، هي روايةٌ عربيةٌ قوية، ومثيرةٌ وجريئة، فيها تجريبٌ عال، واشتغالٌ متقنٌ على انكشاف المرأة العربية (الخليجية هنا) في توترات علاقتها بمحيطِها وموروثاتِه. وأصابت لجنة تحكيم "مان بوكر" في اعتبارها روايةً مبنيةً بأناقة، غنيةً وشاعريةً، في مجتمعٍ يمر بمرحلةٍ انتقالية. وأصابت أيضا صحيفة الإندبندنت في أن جوخة الحارثي تثير في روايتها القوى التي تقيّدنا والقوى التي تحرّرنا.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص