البيت أجمل من الطريق إليه

الساعة 12:13 صباحاً
أمجد ناصر

أمجد ناصر

كم مرة كتبتُ عن قصيدة إيثاكا من قبل؟ كم مرة قرأتها؟ مرات عديدة. ولكنها لم تظهر لي على هذا النحو من قبل. أي إيثاكا من قبل كانت هدفا لرحلة، أو عودة من نوع ما. أي رحلةٍ هذه التي أسمع فيها صوت ابني أنس يقرأها علي بترجمتها الإنكليزية البلورية، وأنا أهمّ للدخول إلى غرفة العمليات؟
**
وأنت تنطلق إلى إيثاكا/ فلتأمل أن تكون رحلتك طويلة/ حافلة بالمغامرة، حافلة بالاكتشاف/ لا تخف من الليستريغونيات والسيكلوبات/ وبوسيدون الغاضب/ لن تجد شيئاً من ذلك في طريقك/ طالما احتفظت بأفكارك سامقة/ طالما مست روحك وجسدك الإثارة الرائعة/ لن تقابل الليستريغونيات والسيكلوبات/ ولا بوسيدون الغاضب/ ما لم تحملهم داخل روحك/ ما لم تضعهم روحك أمامك/ فلتأمل أن تكون رحلتك طويلة/ ولعل صباحات الصيف تكون كثيرة/ ويا لها من متعة٬ يا لها من بهجة/ لتدخل موانئ تراها للمرة الأولى/ ولعلك تتوقف عند محطات التجارة الفينيقية/ لتشتري أشياء جميلة/ عرق اللؤلؤ والمرجان، العنبر والأبنوس/ فوصولك إليها/ هو غايتك الأخيرة/ لكن لا تتعجل الرحلة أبدا/ فالأفضل أن تستمر لأعوام طويلة/ حتى لو أدركتك الشيخوخة/ وأنت تصل إلى الجزيرة/ غنيا بكل ما جنيته في الطريق/ دون انتظار أن تمنحك إيثاكا الغنى./ لقد منحتك إيثاكا الرحلة الرائعة/ فبدونها ما كان لك أن تبدأ الطريق/ لكن ليس لديها ما تمنحه لك سوى ذلك/ فإذا ما وجدتها فقيرة/ فإن إيثاكا لم تخدعك/ فبالحكمة العظيمة التي جنيتها/ بهذه الخبرة الكبيرة/ لا بد أنك ــ بالتأكيد ــ قد أدركت/ بذلك ما الذي تعنيه إيثاكا. (ترجمة رفعت سلام)
**
قرأت هذه الكلمات من قبل، أعرفها، وكنت أظن أنني أعرف إيثاكا التي يعنيها كفافي، وأعرف أن الطريق إليها لم يكن سهلاً، ولا أقل أهمية، أو على الأقل لم تكن هدفاً أقل من الوصول إلى "البلاد"، أو "الوطن"، أو أيُ ما تعنيه ايثاكا لكل واحدٍ منا. ولكن عن أي إيثاكا يمكن الحديث؟ بل أي ايثاكا تبدو لي، وأنا أسمع صوت ابني أنس يقرأ قصيدة الشاعر اليوناني العجوز؟ الرحلة؟ إلى ماذا؟ العودة؟ إلى أين؟
أفكر في هذا وأنا جالس بالقرب من نبتة المليسة. ها هي حية، نضرة، ذات رائحةٍ لا تنضب، وها هو صباح جديد يغمر حديقة بيتي الصغيرة. لا صورة للحياة أقوى من ذلك: جوقة من أصوات طيور وعصافير تتداخل.. وأسمعها تنتقل من شجرة إلى أخرى؟
ربما مذ كتب محمود درويش ما معناه: الطريق إلى البيت أجمل من الوصول إليه، صار كتاب وشعراء فلسطينيون وعربٌ كثيرون يركزون على الطريق إلى البيت وينسون البيت. الرحلة مهمة، وما نراه خلالها لا يقل أهمية، لكن هدف الرحلة يظل الوصول إلى إيثاكا التي قد لا تكون بالجمال الذي خلعناه عليها. ولكن درويش يستدرك جعل البيت مرتبة ثانيه بعد الطريق:
لو كُنْتُ غيري في الطريق، لَقُلتُ/ للجيتار: دَرِّبْني على وَتَرٍ إضافيِّ/ فإنَّ البيتَ أَبعدُ، والطريقَ إليه أَجملُ/ هكذا ستقول أُغنيتي الجديدةُ/ كلما طال الطريق تجدَّد المعنى، وصرتُ اثنين/ في هذا الطريق: أَنا... وغيري.
وبهذا المعنى، يظل الوصول إليها هدف المسعى والرحلة. ولكن أي إيثاكا ستقودني إليها رحلة تبدأ بمشرط طبي، يفتح جانباً من جمجمتي، ليصل إلى كتلة الورم التي تكونت هناك بلا أي إشعار مسبق؟ أي طريقٍ إلى إيثاكا ذلك الذي يبدأ بالتابوت الإلكتروني لجهاز الرنين المغناطيسي؟ لا أعرف أن هذا سيؤدي إلى أي إيثاكا سوى تلك التي ينتهي إليها الجميع، وترسو فيها كل المراكب.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص