عاجل
  • عاجل : الرئيس هادي يوجة رسالته للأمم المتحدة.. سنمنح غريفيث فرصة أخيرة ونهائية
  • عاجل : نيويورك تايمز .. إدارة ترمب تعتزم بيع السلاح للسعودية والإمارات بدون موافقة الكونغرس

أبو العروسة وجراد التخلف

الساعة 03:52 صباحاً
رشا عمران

رشا عمران

تكشف صور مصر أيام زمان، والسينما المصرية، وحفلات المطربين الكبار، التغيير المريع الذي حصل للمجتمع المصري، منذ ما بعد منتصف القرن الماضي. كل عقد كان يحمل معه مزيدا من التردّي والتراجع في الذائقة البصرية والجمالية والفنية للمجتمع المصري، وهو ما تبعته المجتمعات العربية كلها لاحقا، إذ دائما كانت مصر السباقة في أي حركة تغيير مجتمعية، سلبيا أم إيجابيا. وهذا أمر معقد أكثر مما يجب للحديث عنه في مقال قصير، إذ تداخلت فيه هزيمة المشاريع القومية والحكم الفاشل للعسكر والمتغيرات السياسية الدولية، وصعود المد الديني المتطرف، ورصد الأموال الطائلة لنشره، خصوصا لدى الطبقات الوسطى في مجتمعاتنا، وهي الطبقات الأكثر تأثيرا في أي حراك اجتماعي، حيث انتشر الدعاة الإسلاميون على الفضائيات المصرية والعربية، يروّجون إسلاما أقرب إلى التطرف، بعد أن كان إسلاما وسطيا ومنفتحا وبعيدا عن الحَرفية التي اشتغل عليها الدعاة، خصوصا في العلاقة بين الرجل والمرأة في المجتمعات العربية، والمجتمع المصري خصوصا، كون مصر تحمل الثقل الاجتماعي العربي الأكبر.
حصل، قبل أيام، أن لبّى الفنان المصري سيد رجب رغبة فتاة مصرية يتيمة بأن يحضر زفافها ويقدمها إلى عريسها بدل والدها المتوفى، بعدما شاهدته في مشهد مشابه في مسلسل "أبو العروسة"، وهو مسلسل اجتماعي ينتمي إلى نوعية "اللايت"، تأليف هاني كمال وإخراج كمال منصور، يحكي عن عائلة من الطبقة الوسطى. يلعب سيد رجب دور الأب عبد الحميد. حصد المسلسل نسبة مشاهدة مذهلة، فهو قدّم المجتمع المصري والعربي كما ينبغي أن يكون، لا كما هو على حقيقته في مشكلاته كلها. نجح سيد رجب في إضافة رصيد آخر إلى مسيرته الدرامية التي بدأت متأخرة، فهو أب يشبه ملايين الآباء المصريين، ساعدته ملامحه المصرية التي يمكن أن تراها في كل أنحاء مصر على هذا النجاح، إضافة إلى تلقائيته، وصوته الهادئ الذي يحيل مباشرةً إلى نمطية الأب الطيب والحنون. جعلت هذه الصفات الجمهور المصري يتعلق جدا بشخصية عبد الحميد، ويتابعها بشغف، وهو ما جعل الفتاة اليتيمة تطلق حملةً مع صديقاتها على الصفحات الرسمية، ترجو فيها سيد رجب حضور فرحها، فهو "يشبه والدها المتوفى إلى حد كبير"، وهو ما لم يتأخر الفنان عن فعله، في موقفٍ إنسانيٍ محترم يُحسب له، وترك أثرا مدهشا لدى المصريين الذين تابعوا الدقائق القليلة من وصوله إلى حفل الزفاف التي صوّرت وانتشرت على "السوشيال ميديا" بسرعة غير مسبوقة، كاسرا أيضا، في هذا الموقف، نمطية النجم المنفصل عن محيطه الاجتماعي، ويعيش وسط نخبةٍ طبقيةٍ لا يسمح للعامة باختراقها. وفي العموم، المعروف عن سيد رجب أنه كان منخرطا في الهم السياسي والاجتماعي المصري، إذ كان منتميا للحركة اليسارية، واعتقل سياسيا زمن حسني مبارك، وشارك في اعتصامات ثورة يناير، شأن فنانين ملتزمين كثيرين.
لكن هل مرت مشاركة سيد رجب في فرح البنت اليتيمة مرور الكرام والترحيب من الجميع. لا، فلحظة وصوله إلى الفرح لم تصدّق الفتاة وجوده، ألقت نفسها في حضنه باكية، وبحركة عفوية جدا. كذلك فعل عريسها ووالدتها. هذا المشهد القصير، المؤثر العفوي، أزال أقنعة "المحافظة الاجتماعية" عن هذه الأسرة التي تنتمي للطبقات المصرية الشعبية في قيمها. أعادتها المفاجأة إلى طبيعتها الإنسانية العادية البعيدة عن الاستفزاز الغرائزي الذي يغذّيه دعاة التخلف كل لحظة في العلاقة بين الجنسين. هؤلاء الذين يشبهون الجراد الذي يأكل كل ما هو جميل، أطلقوا اتهاماتٍ تمس شرف الفتاة وأمها، إذ سمحتا لغريبٍ أن يحضنهما، وتتهم الفنان باستغلال الموقف، وتتهم الفن عموما بتخريب أخلاق المجتمع، معيدين نسخ كل التخلف الذي عمّ بلاد العرب بعد انتشار برامج الدعاة الذين يتحملون مسؤولية ما وصلت إليه بلادنا ومجتمعاتنا من الجهل والتخلف والتغييب وثقافة القبح الكراهية، جنبا إلى جنب الأنظمة الاستبدادية.
ليس ما قيل، وما كتب ضد الموقف، غريبا عن مجتمعنا أبدا، ولكنه كان صادما حقا أمام عفوية الموقف التي لا يختلف عليها اثنان، وهو ما يجعلنا نسأل: كيف حصل كل هذا التشوه في الوعي العربي ومتى؟ وكم من الأموال صُرفت لنصل إلى هذا الحد من الكراهية لعفويتنا وإنسانيتنا؟ وهل سيحاسب التاريخ ذات يوم من أوصلونا إلى هنا، أم سيكون حياديا معهم، كما هو حيادي مع كل مخرّبي الإنسانية؟

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص