كان ما لا يمكن

الساعة 05:24 مساءاً
بشير البكر

بشير البكر

حين دخل الرجل إلى مقصورة القطار التي أجلس فيها، وألقى السلام، لم أكترث بحضوره، فكل شيء عادي، حتى لباسه المغربي التقليدي. وعدت، بعد أن أغلق الباب، إلى شرودي، منصرفاً إلى تأمل الربيع الذي يمتلك قوة طاغية هنا، حيث المساحات الشاسعة المزروعة بالقمح، والأرض التي تبدو مثل سجادة، هي تأخذني إلى الريف السوري مباشرة.
بعد أن استقر الرجل في مكانه، استرقت النظر إليه، فوجدته يتفحصني باهتمامٍ لم يمنعني من كسر حاجز اللياقة والتحديق به ملياً، وما إن امتلأت عيناي بتعابير وجهه، حتى أحسست بأني أعرفه. وهنا بدأت محاولة تركيب المشهد، وصرت أسأل نفسي وأستحثّ ذاكرتي، لكني فشلت كلياً في الوصول إلى نتيجة. وفي هذه الأثناء، وجدت أن الرجل قد اكتشف اهتمامي به، فبادرني بسؤالٍ عن سبب تركيزي عليه، وهل سبق أن التقينا؟ هذا هو السؤال الذي أبحث عن جوابه، لأن ذاكرتي تقول لي إننا تقابلنا، ولكن الأمر يقف هنا، وهي لا تسعفني، أين ومتى؟
صفن الرجل ثوان، وقال لي: لا أذكر أني قابلتك من قبل. وقد تكون التقيتَ بشخصٍ يشبهني فاختلط الأمر عليك. .. قبلت هذه الإجابة، وأرحت نفسي من عناء الفضول. ولكن بعد دقائق، استرخى الرجل، ومد رجليه في المقصورة التي لم تكن تضم سوانا، فعاد الأمر يلح عليّ. فبادرته بسؤال: هل سبق لك أن أقمت في باريس، ربما تقابلنا هناك، فأنا أعيش في تلك المدينة منذ ثلاثين عاماً؟ كان جوابه أنه يسكن في مدينة ثانية (بوردو)، وكان يزور باريس أحيانا، وخصوصا في العامين الأخيرين بسبب عمله، فهو أستاذ جامعي في مادة الرياضيات، وسفراته إلى باريس هي للقاء زملاء المهنة فقط.
قرّبت إجابته مسافة البحث بالنسبة لي، فطرحت عليه سؤالا شعر بغرابته: وما هي وسيلة النقل التي كنت تستقلها في رحلاتك إلى باريس؟ فقال: القطار. .. ثم تفرس فيّ ملياً، وهو لا يعرف القصد من سؤالي، فبادرته بسؤال آخر: وهل تعرف سعيد؟ وجدته فجأة يغير جلسته، ويصرخ بصوت عال: بالطبع نزلت معه في سيارته من بوردو إلى باريس ثلاث مرات، ولكني لم ألتق بأحد سواه، ثم أنك لم تكن معنا، فكيف عرفت ذلك؟
استعصى الأمر علي كي أفسر له الاستنتاج، لأني اقتربت من محطتي الأخيرة. واكتفيت بأن قلت له: ربما شاهدت صورة لك مع سعيد .. فقال: لم نتصوّر معا. وحين ودعته ونزلت، وجدت أنه بقي حائرا في أمره. وبدوري، أخذت أفكر طوال المساء، وأياما، عن السر الذي جعلني أتعرّف على شخص في القطار ما بين الرباط والدار البيضاء، انطلاقا من وصف صديق لي أقله في سيارته ثلاث مرات من بوردو إلى باريس، لا سيما أن وصف صديقي الرجل لم يتطرّق لعلامات مميزة، وهذا ما جعلني حائرا في تداخل التفاصيل إلى هذا الحد.
وهنا تذكرت حكاية ذلك الصيني الذي جلس بجانبي في المترو الباريسي ذات صباح أحد، وكان يتحدث هاتفيا بصوتٍ عال أزعجني، وبقي إلى جانبي حتى المحطة الأخيرة. وحين نزلنا، اعتذر مني. وفي الظهيرة، ذهبت وحيدا إلى مطعم واسع في الحي الصيني، ولم أجد مكانا فارغا إلا على طاولة الرجل نفسه، الذي كان يتحدث هاتفيا مع الشخص نفسه، وقد ذُهل حين رآني ثانيةً، فاعتذرت منه، وذهبت في حال سبيلي، وأنا أحاول أن أجد تفسيرا لهذه المصادفة التي تختلف عن آخر المصادفات التي حصلت معي، وتخصُّ فتاةً تسكن في الحي، أجدها كل صباح تنتظر باص الساعة السابعة. فكرت بها، وأنا جالس في مقعدي داخل الطائرة التي ستقلع عند السابعة، وقلت إني لن أراها هذا الصباح، وإذ بها تدخل الطائرة مسافرةً إلى المدينة ذاتها.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص