رياض الريّس.. سلامات

الساعة 12:09 مساءاً
معن البياري

معن البياري

لمّا نشرتْه مجلة بدايات البيروتية، الفصلية، في شتاء 2016، لم يُحرز نص "غسيل الكلى السوري"، للصحافي المتقاعد الذي يعمل في النشر، كما يعرّف رياض نجيب الريّس (1937) نفسَه، انتباها خاصّا يستحقه، على غير ما صار له لمّا استعادته ونشرته ثانيةً، الأسبوع الماضي، صفحة شركة دار الريس للكتب والنشر في "فيسبوك". ومن بين ما يعنيه هذا الأمر (الثانوي؟) أن "آخر الخوارج" ربما لم يجد في جوانحه جديدا يضيفه إلى عرض الحال الذي بَسَطه في ذلك "التقرير الروائي، الشخصي فوق العادة"، كما سمّى مقالته تلك. أما صاحبُ هذه الكلمات، ففي وسعه أن يضيف إلى الدعاء للصحافي، اللامع عن حق، بأن يمتّعه الله بالصحة، كما فعل لمّا صادف المقالة قبل عامين، أنه يستشعر، بعد قراءة "غسيل الكلى السوري" ثانية، أن رياض الريّس إنما أشهر بيانا عن سوريّته، بشكل لم يسبق أن زاوله، هو الذي ظلّ يحرص على تعريف نفسه سوريّا لبنانيا، وكان والدُه من بناة استقلال سورية. ولكن ليس هذا هو الموضوع، وإنما شعور صاحبنا بأنه خسر فرصةً مُثلى ليزاول مهنته صحافيا بشأن سورية الراهنة، سورية التي ثارت وانتفضت، لكنه لا يقدر، وقد أصيب بمرضٍ في كليتيه، وبدأ، تزامنا مع أولى مظاهرات الثورة في درعا، قبل ثماني سنوات، غسيلا أسبوعيا في الكلى.
خسران رياض نجيب الريّس الذي أكلته الصحافة، وأكلت لغته، (كما كتب مرّةً)، وهو الشاعر العتيق، القدرة على أن يكون حاضرا في اللحظة السورية المحتدمة، يوازيه فينا، نحن أهل الكتابة والصحافة العرب، شعورٌ بخسرانٍ فادحٍ يُحدثه غياب هذا الرجل بيننا، كاتبا ومعلقا ومشتبكا بالجدل والسجال في المسألة السورية الثقيلة، لأنه ليس مثقفا عابرا. لقد حافظ عقودا على سمْتِه خارجيّا، متمرّدا، جائعا على الدوام للحرية، كيف لا وهو صاحب أهم مشروع صحافةٍ ثقافيةٍ عربية في النصف الثاني في القرن العشرين، في إصداره المجلة الأكثر مشاكسةً (الناقد)، المجلة التي لم يتكرّر مثلُها. كيف لا وهو صاحب دار النشر العربية الأجرأ. وإلى هذا كله، وكثيرٍ غيرِه، كان صاحب قلمٍ استثنائي في السخرية من الاستبداد، من دون أن يغفل يوما أن الصحافة مهنته، فيجلس مع صدام حسين ومعمر القذافي ليسأل، لا ليطبّل ويزمّر.
يكتب صاحب "مصاحف وسيوف" في مقالته الجديدة (لا أستطيع وصفَها الأخيرة) أنه ترك الجسم الصحافي عندما كان هذا الجسم مريضا فيما هو في صحة جيدة، "أما الآن، فأشعر بأنني بحاجةٍ لأن أكون صحافيا دون أن أستطيع". هنا بالضبط موطن الفقد الذي نغالبُه لأن صوتَ رياض الريّس غائب. وواحدةٌ من مفارقاتٍ غزيرةٍ في سيرة هذا المغامر، المقامر في رهاناته على النجاح والاستمرار وهزيمة الرتابة والضجر، أنه استُدعي إلى العناية الفائقة في الأسبوع الذي خرج فيه أطفال درعا، ليكتبوا شعاراتٍ على حيطان مدرستهم. لا تكترث المقالة الحارّة، المعافاة العبارة والمبنى، بما أصاب الكِلى، وإنما بما يُفضي به رياض الريّس عن حالته، مكلوما بأنه لم يعد في مقدوره أن يسافر حول العالم. هو الذي يسّرت له صحيفتا الحياة والنهار البيروتيتان، لمّا عمل فيهما في شبابه الأول، في ستينيات العقد الماضي، أسفارا إلى فيتنام وإمارات الخليج ومشيخاته البكر. ليس في وسعه أن يحمل دفترا أو كاميرا، ولا أن يسجّل أية ملاحظات، أو يجري أية حوارات.
ثمّة زفرةٌ مؤسيةٌ، وألمٌ غافٍ أيضا، في قول رياض الريّس لقارئه "في أشد لحظات بلادي وحدةً ومرارةً، أُبْقيت في مكاني". ويقول، من بيروت التي يقيم فيها بعد (عودته) إليها من لندن، إنه بقي يُطارد ظل التاريخ من بلدٍ إلى آخر، غير أنه لم يصل إلى سورية "لم أصل قط إلى الحدث السوري. وبلادي القريبة التي بتّ اليوم بعيدا عنها..". لسنا هنا أمام رياض الريّس الذي كتب مرّة إن نصف اللبنانيين يعتقدون أنه لبناني من دون أن يعترفوا بلبنانيّته، ونصف السوريين يعرفون أنه سوري، من دون أن يقرّوا بأهليّته.. . هنا رياض الريّس الذي يتوسّل ذاكرتَه ليذهب معها إلى سورية، وقد غادر دمشق فتىً، لتبدأ رحلتُه في الحياة، كاتبا وشاعرا وصحافيا جوّالا وناشرا، وساخرا ومتمرّدا، وعندما علا صوتُ شعبه في الداخل السوري بالحرية، بدأ غسيل الكلى ثلاث مرّاتٍ في الأسبوع.. يا لخسارتنا إذاً.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص