أصوات السوريين الغرقى

الساعة 10:46 مساءاً
أمجد ناصر

أمجد ناصر

آخرُ هموم اللاجئين السوريين الذين مرّوا بجزيرة ليسبوس اليونانية التمعن باسم هذه الجزيرة، وصلته بالمصطلح الأوروبي للمثلية النسوية، أو أن يلمّوا بجانبٍ من تاريخها، وسير أعلامها، فلا همَّ لهذه الجموع المتدفقة، كما لو كانت في يوم حشْرٍ أرضيٍّ، سوى الوصول إلى أرضٍ مأمونةٍ بأقلّ قدر من الخسائر، فقد أخذ البحر منهم الكثير. دفعوا ضرائب باهظة لـ"بوسيدون"، إله البحر والعواصف، الغاضب دائماً، تاهوا في دروب العالم الشاهد، كما لو أنهم في صحراء بلا مَعْلَمٍ أو طريق. وعلى الرغم من أن لا شاردة إغريقية يمكن أن تشغل بال هؤلاء الذين اكتظت بهم ثالث أكبر جزيرة في البحر الإيجي، إلا أن هناك شيئاً إغريقياً فيهم. هذا الهبوب الملحمي الذي تبدو عليه جموع اللاجئين المتماوجة أمام الحدود، محطات القطارات، مواقف الحافلات، أمكنة الإيواء المؤقت، كما لو أننا في واحدٍ من أفلام الملاحم التي تشارك فيها حشودٌ كبيرة. هذه تراجيديا حيّة، تحدث أمامنا لحظةً بلحظة، في أتمّ صورها. البحر الغضوب، القرابين التي تقدَّم لزيوس في سبيل فتح طريقٍ إلى الأمان. ليس الطعام ولا الشراب، لا الصحة ولا التعليم، فقط الأمان على الأنفس، أو ما تبقى منها بعدما أخذ "بوسيدون" ما أخذ. وما سلبه منهم، قبله، "السايكلوب"، ذو العين الواحدة المدوّرة، المنهمك في صنع أسلحة الصواعق والبراميل المتفجِّرة.
***
ليس في هذا المدى القاحل، أقصد البحر، سوى المياه التي تتلاطم، مجرّبة عزمها، المياه التي خلقت الحياة هي التي تأخذها الآن.
ليتها لم تقبل بهذه القرابين التي لم تستبدل بما هو أقل وطأة. ليتها لفظتها منذ وضع رجل، طفل، امرأة، صندلاً بلاستيكياً في مياه المتوسط مكتوباً عليه صنع في سورية.
***
لا يكسر نوري الجراح الحاجز الوهمي بين القصيدة والمأساة. ولكن ألم يكن هذا دأب الشعر في أزمنةٍ كانت أقل مأساوية مما هي عليه الآن؟ وعلى يد شعرائها الكبار؟
هذا الحاجز الذي رفعته في وجوهنا أقلامٌ أرادت للكلمة أن تدخل مخدع الطاعة للقصيدة أن تتعقم من أي "شوائب" عضوية.
ثم من قال أن الشعر يتخلى عن نفسه، أو فنه، عندما يمشي بقدمين حافيتين على أرض البشر؟
هناك انضباط عاطفي ومجازي ولغوي في قصيدة نوري.
يمد نوري الجراح يده في الجرح السوري الثخين، فيستخرج طلقة، أو شظايا قنبلة، وربما نصل سكين. لكن هذا متوقع من جرح كهذا، فماذا في الجرح سوى دم متخثر وشظايا ونثار عظام.
كلا هناك شيء آخر. وهو مسعى القصيدة. وأحد أبرز غاياتها: الشعر. بل الشعر وقد حوّله الجرح إلى جوهرة سقلها الألم.
"قارب إلى ليسبوس" (منشورات المتوسط، ميلانو، 2016) هو نشيد شخصي. وملحمي من واقع مرئي ومسموع ومعلن أمام عالم أعمى وأصم.
بدا لي، وأنا أقرأ النص المتلألئ بمعجمه اللغوي المنضبط، على الرغم من إغراء الانثيال العاطفي، أن نوري الجراح يعرف السوريين الذين يناديهم كأنهم في حي المهاجرين الدمشقي، فالنص هنا يكتسب صفةُ شخصيةً، إن لم أقل عائلية، متل إخوة، أشقاء، أم، شقيقات.
"قارب إلى ليسبوس" جوهرة شعرية من زماننا القاتم.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص