عن هذا الزمن الرديء

الساعة 07:46 مساءاً
رشا عمران

رشا عمران

أعاد بعض الأصدقاء، قبل أيام، على "فيسبوك"، نشر فيديو قديم، يعرض لجنازة عميد الأدب العربي، طه حسين. ويرافق العرض صوت الشاعر المصري، فاروق شوشة، في تعليق على تفاصيل الجنازة التي تبدو، في الفيديو، مختلطة بين الجنازتين، الرسمية والشعبية، من حيث التنظيم والمشاركة في التشييع، والعدد الكبير من المشيعين. جنازة تليق فعلا بقامة فكرية وأدبية كبيرة، كقامة الرمز الفكري التنويري، طه حسين الذي توفي في 28 أكتوبر/ تشرين الأول عام 1973. أي في الوقت التالي مباشرةً لحرب أكتوبر، كانت مصر وقتها مشغولةً بانتصارات الحرب، وعبور خط بارليف. كان المزاج العام كمزاج حرب بكل ما فيه. ومع ذلك، لم يمنع هذا المصريين من إقامة وداع لائق لكاتب ومفكّر قدم الكثير للأدب العربي.
كان طه حسين مفكرا إشكاليا نحا نحو الديكارتية في منهجه الفكري، خصوصا في كتابه "الشعر الجاهلي"، ما جعل كثيرين يعارضونه وينتقدونه، معتبرين أنه ناقش المقدّس وشك فيه، ومع ذلك، كان حزن المصريين عليه واضحا، من مثففين وسياسيين ومن العامة الذين ربما لم يقرأ كثيرون منهم شيئا له، ولكنهم يدركون أن مصر فقدت يومها واحدا من رموزها الكبيرة. حدث هذا أيضا مع جنازات أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش، وتقريبا مع كل الرموز الفكرية والفنية التي رحلت في تلك الفترة الذهبية من تاريخ الوطن العربي.
ما الذي حدث بعد تلك المرحلة؟ لماذا اختفت الرموز في حاضرنا العربي؟ لماذا لم يظهر لدى العرب كتاب ومفكرون ومغنون وملحنون بقيمة من كانوا في تلك المرحلة؟ لا أذكر، شخصيا، جنازةً في حاضرنا حظيت بمشاركة شعبية كبيرة غير جنازة نزار قباني في دمشق، في أول أيام مايو/ أيار 1998، حيث خرج السوريون بأعداد كبيرة لمرافقة الجثمان إلى مثواه الأخير، من دون مشاركة رسمية واضحة. وكذلك جنازة محمود درويش في رام الله، وكانت رسمية وشعبية ضخمة، على قدر ما أجازه الاحتلال الإسرائيلي. عدا ذلك، لم ير العرب وداعات كبيرة وحاشدة لشخصيات غير وداعات السياسيين. وهؤلاء، بالنسبة لي على الأقل، خارج تصنيف الرموز الوطنية الكبرى في العصر الحديث، إذ لا محبة صافية لسياسيٍّ من جمهور ما كما هي بالنسبة لمبدع أو مفكر. محبة السياسي مختلطة دائما بالمصالح الشخصية أو الفئوية، أو بالخوف، أو بغريزة القطيع، وهو ما لا يعوّل عليه في تحديد قيمة هذا الشخص الوطنية أو ذاك.
في ظني، قصتنا، نحن العرب، تسير في دائرة واحدة مغلقة. لا يمكن لأيٍّ من مناحي الحياة الخروج منها منفردا، نحن في أقصى حالات التردّي على كل المستويات، حيت تمكّن الاستبداد السياسي من فرض قبضته الكاملة على الشعوب العربية، متحالفا، سرّا وعلنا، مع مؤسساتٍ دينيةٍ متخلفةٍ ومستبدة، هي الأخرى. منذ ذلك الوقت، سقط كل شيء لدينا، العلم والثقافة والفكر والفن والإعلام والقضاء والتعليم والطب وكل شيء. كله أصبح يدور في فلك الأنظمة الحاكمة التي تمنح من ترضى عنه بركاتها، وتمنع هذه البركة عمن تغضب عليه. وعادة، من يدورون في فلك أنظمة الاستبداد متوسطو المواهب والمعرفة. هؤلاء يسهل التحكم بهم، وهم من تصدّرهم الأنظمة رموزا وطنية، بينما تسلط طوابيرها الخامسة من رعاع لتحطيم من يرفض التسليم بكل ما يقدّم له كمقدس. كم من مبدع أو مفكر كفّرتهم المؤسسة الدينية العربية؟ كم من مبدع شوّهت سمعته هذه الأنظمة؟ الأمثلة أكثر من أن تذكر، خصوصا بعد الربيع العربي، حيث تم الفرز تلقائيا، في البداية، قبل أن تختلط المعايير، ويتكشف من كنّا نعتز بهم تنويريين عن خلفياتٍ مذهبية أو مساندةٍ للاستبداد.
دُعيت قبل سنوات للمشاركة في مهرجان شعري دولي في زيوريخ. كان من المشاركين روائي وشاعر سويسري، يعتبر أحد أهم كتاب بلاده. حضر في أمسية الافتتاح رئيس كانتون زيوريخ وصديقته. كان مذهلا لنا، نحن العرب المشاركين في المهرجان، كيف يتعامل الرئيس مع هذا الكاتب. بدا كما لو أنه تلميذه، يسمعه بشغف، ويتحدث عنه معنا، بوصفه رمز سويسرا الوطني الكبير. سكب له صحن عشائه وقت العشاء. ووقت إلقائه رافقه إلى خشبة المسرح وعاد. وسط ذهولنا وإحساسنا بالمرارة، نحن القادمين من بلادٍ يتصرّف حكامها كآلهة. تقصي الجميع لصالح الحاكم الواحد الأوحد.
حضر رئيس كانتون زيوريخ، يوم تلك الأمسية، إلى المسرح، مع صديقته اليابانية، بثيابٍ عادية، وكل منهما يقود دراجة عادية.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص