صورة "سيلفي" والعالم خلفي

الساعة 01:44 مساءاً
سما حسن

سما حسن

أظهرت إحصائية حديثة أن العالم شهد تزايداً في حالات الوفاة بسبب التقاط صور السيلفي، وكل هذه الحوادث وقعت في الوقت الذي اعتقد أصحابها أنهم يستطيعون التقاط الصور الشخصية لأنفسهم في وضعياتٍ جذّابةٍ وغريبة. وفي الوقت نفسه، يكونون في مأمنٍ من الخطر، ولكن على العكس تماماً فقدوا حياتهم، بسبب هذا الهوس الذي حلّ بهم، نتيجة ارتباط الهواتف الذكية بالكاميرات التي تلتقط الصور وتنشرها بسهولةٍ على مواقع التواصل الاجتماعي.
بحسب دراسة أجراها خبراء هنود، إن نحو 259 شخصاً ماتوا نتيجة محاولاتهم التقاط صور سيلفي مميزة، ما بين العامين 2011 و2018. ويبدو العدد أكبر من ذلك بكثير على أرض الواقع، ولكن هذه هي الحوادث التي تم الإعلان عنها. والمؤسف أن معظم ضحايا صور السيلفي هم من الشباب الذين أعمارهم بين 22 و23 عاماً. وأول أسباب الموت في أثناء التقاط صور السيلفي الغرق ثم القطارات. وقد يكون الغرق بسبب اختيار مناطق المياه الجارفة، أما القطارات التي يهوى الشباب التقاط الصور أمامها فهي تأتي في موعد أسرع مما يتوقع من يزمع التقاط صورة له في هذا الموضع، كما أن اندفاع الهواء يؤدّي إلى سقوطه فوق القضبان، ما لا يعطيه فرصة للنجاة.
وقد رصدت حوادث عدة من صور السيلفي التي دفع أصحابها حياتهم ثمنا للحصول عليها، ومن أجل أن يُرسل أحدهم صورته إلى صديق أو صديقة، وهو يقود سيارة أو يمشي تحت المطر في غابة، حيث توفي شاب بريطاني، وهو يرفع عصا السيلفي، ليلتقط صورة رومانسية له، إلا أن صاعقةً ضربت العصا لعلوها، فمات الشاب على الفور.
وقد توصل الطبيب النفسي، ديفيد فيل، إلى أن الهوس بالتقاط صور السيلفي يرتبط باضطراب نفسي، يُعرف باضطراب تشوّه الجسم، فلدى هؤلاء الأشخاص هوس بأن أجسامهم لا تبدو أمام الآخرين كما يرام، فيلتقطون الصور الشخصية المكرّرة، وللوضعية نفسها، حتى يخرجوا بصورة لائقة، ما يؤدي إلى الإصابة بهذا الاضطراب النفسي الذي يحتاج إلى علاج، وربما يؤدي بالشخص إلى محاولة الانتحار، إن لم يتم علاجه، كما حدث مع اللاعب داني بومان (19 عاما)، حيث كان يقضي عشر ساعات يومياً في التقاط مائتي صورة شخصية، ففقد اللاعب الشاب كثيرا من وزنه، وانقطع عن دراسته، وحين لم يحصل على صورةٍ مرضيةٍ، حاول الانتحار، لولا أنْ أنقذته والدته.
في منازلنا بذورٌ لمرضى نفسيين، أمثال هذا اللاعب وغيره من المغرمين بصور السيلفي، ونعتقد أن الأمر لا يزيد عن دعابة أو تسلية، ولكن جرس الإنذار يجب أن يدقّ، بسبب ابتعاد أولادنا عن الحياة الاجتماعية وقضائهم ساعاتٍ طويلةً، وهم يُحسنون هندامهم في غرفهم، أو للحصول على صور سيلفي مناسبة ينشرونها من خلال حساباتهم في مواقع التواصل الاجتماعي ليحظوا بالإعجاب. ولا يشعرون بما حولهم، وبالخطر المحيق بهم، خصوصا المراهقين والمراهقات منهم، والذين يجازفون ويتهوّرون بعيداً عن رقابة الأهل.
تعتبر صور السيلفي مرضاً استشرى في كل مجتمع، أساسه إدمان مواقع التواصل الاجتماعي بعالمها المزيف، فلولاها لما احتاج الناس صور السيلفي، فأين سيتم نشر هذه الصور مثلاً، هل سينشرونها على اللوحات المضيئة في الشوارع، أم على واجهات مراكز التسوّق الكبرى مثلا؟
واجب الآباء والأمهات يحتم أن يتمتعوا بالوعي والقرب من أولادهم وتقديم التقدير الذاتي لهم، لأن عدم حصول الابن على التقدير في الواقع من ذويه يدفعه إلى التقاط صور السيلفي، لكي يحصل على هذا التقدير من خلال مواقع الكذب والنفاق، فالاهتمام بالصورة الذاتية وعدم الاهتمام بالنجاح والإنجاز يجرّان الإنسان نحو الأمراض العقلية، مثل النرجسية. كما أن مشكلات مستقبلية في الدماغ تصبح مهدّدة لأولادنا. والمصيبة الكبرى إذا كان رب البيت نفسه مهووساً بـ"الصورة التي يلتقطها لنفسه مع الهاتف الذكي، ويحمّلها على مواقع التواصل الاجتماعي"، بحسب تعريف قاموس أكسفورد في العام 2013 لصورة السيلفي.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص