بل هي حربٌ باردةٌ جديدة

الساعة 01:40 مساءاً
مروان قبلان

مروان قبلان

على مدى نحو عقد أو يزيد، وتحديدًا منذ الخطاب الذي ألقاه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في مؤتمر ميونخ للأمن في فبراير/ شباط 2007، وهاجم فيه الغرب بشدة بسبب محاولات حصار بلاده وعزلها، درج أكثر الخبراء والأكاديميين على رفض مقولة عودة الحرب الباردة انطلاقا من عدة مبرّرات، أبرزها أن الحرب الباردة تمحورت على الأيديولوجيا والجيوبولتيك والتنافس بين القوتين العظميين (الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي) على السيادة في هذين الحقلين. أما وقد هزمت الشيوعية، أيديولوجيا ونظاما اقتصاديا - اجتماعيا، وانهار الاتحاد السوفييتي باعتباره خصما جيو- سياسيا، فقد انتهت هذه الحرب. ولا تستقيم محاولات استرجاعها اليوم، لأن روسيا لا تملك مشروعا فكريا أو أيديولوجيا منافسا للرأسمالية، فهي نفسها تتبنّى الرأسمالية واقتصاد السوق، وهي أيضا لا تشكل منافسا جيو - سياسيا للغرب، لأن قدراتها العسكرية أضعف بكثيرٍ مما كانت عليه أيام الاتحاد السوفييتي، سواء في مجال القوة التقليدية، أو حتى في مجال قدراتها النووية، وهي من ثم، بحسب الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، قوة إقليمية كبرى، وليست قوى عظمى.
كل هذا يوشك أن يتغير الآن.. كيف؟ إذا أخذنا السمتين الأساسيتين للحرب الباردة (الصراع الأيديولوجي والتنافس الجيو - سياسي)، يلاحظ بداية ظهور سمات أيديولوجيا منافسة للرأسمالية الليبرالية (أعلن فوكوياما انتصارها النهائي والتاريخي)، وهي الرأسمالية التسلطية (Authoritarian Capitalism) أو الرأسمالية غير الليبرالية (Illiberal Capitalism) التي تحكم اليوم في الصين وروسيا، وتحرز تقدمًا في تركيا والمجر وبولندا ودول أخرى.
وخلافا للتوقعات، لم يؤد تبنّي روسيا والصين اقتصاد السوق بعد نهاية الحرب الباردة إلى تعزيز الحريات السياسية في البلدين، استنادا إلى أن الليبرالية الاقتصادية تطلق العنان لقوى جديدة وتوتراتٍ يصبح من المستحيل معها استمرار نظم التسلط السياسية. وبدل أن يشكل اقتصاد السوق خطوةً نحو الليبرالية، ساهم في تعزيز سلطة الدولة، وتكريس حكم "الرجل القوي"، ذلك أن روسيا والصين تبنّتا الرأسمالية بمعزلٍ عن مكوّنها الليبرالي. وعليه، لم يؤد اقتصاد السوق والعولمة وتكنولوجيا المعلومات إلى تعزيز القيم الليبرالية فيهما، كما توقع الرئيس السابق بيل كلينتون، في العام 2000، بل ساهمت هذه الأدوات في تعزيز سلطة الدولة وقبضتها على المجتمع. وإذ ترى هذه المدرسة أن السبب الرئيس في انهيار الاتحاد السوفييتي تمثّل في نمط الاقتصاد المركزي الذي تبنّاه، فقد نحت "الرأسمالية التسلطية" إلى إشباع النزعات الاستهلاكية للطبقات الوسطى، من دون تمكينها من حقوقها السياسية، وكانت النتيجة أيديولوجيا جديدة هجينة تجمع بين النمو الاقتصادي وتعزيز الروح القومية التي تحقق للأمة احترامها على الساحة الدولية. وإذا كانت قوة الأيديولوجيا تكمن في جاذبيتها وقدرتها على التوسع والانتشار، يمكن القول إن النموذج الصيني - الروسي الذي يقدّمه فلاديمير بوتين وشي جين بينغ يجد صدىً في مناطق مختلفة في ظل الضعف الذي تبديه الديمقراطيات الليبرالية في مواجهة مختلف التحدّيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تعترضها.
جيو- سياسيا، تمثل الشهادة التي تقدم بها أخيرًا دان كوتس، مدير الاستخبارات الوطنية الأميركية، وهي هيئة تضم 17 وكالة استخباراتية أميركية، أمام الكونغرس، تطوّرا بارزا يدفع إلى الاعتقاد ببداية تنافس جيو- سياسي كبير في العالم، إذ حذر من أن التقارب الصيني - الروسي يكاد يصل إلى مستوىً غير مسبوق منذ منتصف الخمسينيات (قبل الشقاق الكبير بين ماو وخروتشوف)، وإنه يتجه نحو تحالف استراتيجي، يهدف إلى "تحدّي القيادة الأميركية وتقويض النظام الليبرالي الدولي". وبحسب كوتس، تتعاون روسيا والصين عسكريا، وفي مجال الطاقة، لتعزيز قدراتهما على تحدّي أميركا، وسط طموحاتٍ صينيةٍ إلى السيادة العالمية، في ظل قيادة شي جين بينغ.
وباتت القدرات الاقتصادية المتعاظمة للصين تسمح لها بتخصيص أموال أكثر لتحسين قدراتها العسكرية، كما أن التقارب مع روسيا يسمح للصين بتأمين احتياجاتها من الطاقة والاستغناء، إذا اضطرت، عن نفط وغاز المناطق التي تسيطر عليها واشنطن، أو لها نفوذ فيها. بالنتيجة، يتبلور لدينا معسكر صاعد تحكمه الرأسمالية التسلطية، وتتوفّر لديه إمكانات اقتصادية كبرى وقاعدة صناعية متطوّرة، وقوة عسكرية متنامية، وطموحات للهيمنة وتحدّي النظام الليبرالي الدولي، كيف لا نكون إذاً أمام حربٍ باردةٍ جديدة؟

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص