الجثث التي تكبر فينا

الساعة 09:43 صباحاً
رشا عمران

رشا عمران

في مسرحية "إميديه" ليوجين أونسكو، أحد أقطاب مسرح العبث (أو اللامعقول)، يُنجب الزوجان اللذان فقدا الحب طفلا ميتا. ويتركان الجثة في غرفة النوم التي هجراها منذ خمسة عشر عاما. مع الوقت، تبدأ الجثة بالنمو والتضخّم، حتى تحتلّ المسكن كله، وتزاحمهما على المكان، فيضطرّان إلى ترك مسكنهما. كثرت التحليلات التي أعقبت صدور المسرحية عام 1954، بشأن ما يقصده أونسكو بالجثّة المتضخمة المتعفنة في غرفة النوم، وهل تركيزه على رمزية الغرفة أم على رمزية الجثة. وهل تمثّل الغرفة التي لم يدخلها الزوجان منذ زمن، الحياة الأوروبية الحديثة في ذلك الوقت، حياة العزلة، وفقدان الثقة بالآخرين، وانعدام التواصل الإنساني معهم، والقوقعة الوجودية، والميل نحو العدمية واللاشيء، وهي النزعة التي ظهرت في أوروبا نتيجة الحربين العالميتين الأولى والثانية؟
أميل إلى الاعتقاد أن أونسكو كان يريد التركيز على الغرفة والجثة معا، فهما متلازمتان في العمل المسرحي. تضخّمت الجثة داخل الغرفة المهجورة، ثم بدأت مد قدميها من تحت الباب، ثم بدأت أعضاؤها تظهر، لتحتل المكان كله.. هل نقارب الصواب، إن قلنا إن الجثة هي المشاعر السلبية التي كانت بين الزوجين، وتركاها تكبر من دون أن يهتما بتجنّبها، أو بالبحث عن أسبابها أو بعلاج نتائجها عليهما؟ هل الجثة هي الكراهية التي أنجباها معا؟ الكراهية التي إذا ما تركت لتكبر ستحتل المساحات الفارغة، وتنتشر رائحتها المتعفّنة طوال الوقت، حتى يكون الخلاص في الهروب! لكن إلى أين؟ فالرائحة العفنة قد علقت بتلابيب الذاكرة، أينما كانت وجهة الهروب. يحمل الهارب معه تلك الرائحة التي ستسمم حياته في كل حين.
ترمز الغرفة المهجورة، غرفة النوم لما لها من خصوصية بالغة، إلى النفس البشرية. وترمز الجثة المتضخّمة إلى المشاعر السلبية التي نتركها تكبر، داخل الغرفة، داخلنا، من دون أن نبذل أي جهد للتخلص منها، من دون أن ننتبه إليها أساسا، فالهجر بؤرة حاضنة للعفن. تخيلوا الهوة الكبيرة في كل منا، ونتجاهلها، كم من الأمراض يمكنها أن تجد مساحتها فيها، أو، إن شئتم، في ذلك الفراغ المهول داخلنا؟ نحن نسدل الستائر على ما في داخلنا، نغلق كل منفذ للضوء، أو للشمس، أو للهواء. ومع الوقت، ننسى الفراغ الذي يتّسع للكراهية والسوء والحقد واللؤم والحسد والغضب السلبي والمشاعر السوداوية والعقد النفسية. ثمّة طاقةٌ سلبيةٌ رهيبةٌ ستحتل هذا الفراغ، ستعمل على تدميرنا نحن، قبل أن تدمّر الآخرين، ما لم نحاول كشف هذا الفراغ وتنظيفه من مخلفات ما تتركه الحياة، بكل خرابها الحالي، فينا.
يتحدّث مسرح العبث (أو اللامعقول) عن عزلة الكائن البشري الناتجة من الحروب التي طحنت أوروبا، في النصف الأول من القرن الماضي. وقتها، كان للحواس دورها الطبيعي، أن تتحدّث مع الآخرين وجها لوجه، أن تعرف تفاصيل أشكالهم كما هي، تعابيرهم وأنت تتحدّث إليهم، أن تسمع اختلافات أصواتهم، أن تتلمس رقّة أجسادهم أو خشونتها، أن تشمّ روائحهم المختلفة. في ذلك الوقت، كانت الحواس واضحةً، وتقوم بعملها الطبيعي. ومع ذلك، كان الفراغ والعزلة والاغتراب عن الآخرين يسيطر على الحياة البشرية.
كان الفن وقتها تعبيرا حقيقيا عن واقع الحياة. هكذا ظهرت الدادائية والعدمية والسوريالية والعبثية في الفن والأدب نتيجة حتمية لحال أوروبا ذلك الوقت. أفكّر بحال الفنون والأدب في بلادنا العربية اليوم، ونحن نعيش في ما نعيش، من حروب وموت وفقر وحصار وتشرّد وتهجير وعنف وقمع واستبداد، مترافقا كله مع عزلة حقيقية، نفسية ومادية، فرضتها وسائل التواصل الحديثة التي جعلت العلاقات البشرية افتراضية، وألغت دور الحواس في علاقة البشر بعضهم ببعض. هل ثمّة عزلة نفسية واغتراب أكثر مما يعيشه السوري أو اليمني أو الليبي، أو أي كائن ينتمي إلى "بلاد العرب أوطاني" بكل خرابها؟ هل يمكن أن نشهد مدارس في الفنون والأدب تتفوّق في لا واقعيتها على المدارس الأوروبية في النصف الأول من القرن الماضي، أم أننا نعاني من الخراب الروحي ما يجعل من إنتاجنا أي حركةٍ فنيةٍ أو أدبيةٍ شبه مستحيل، ما دمنا نعيش في واقعٍ تفوّقت فيه حالة العبث واللامعقول على النظريات المتعلقة بهذا الشأن، وما دمنا ممنوعين من التغيير المجتمعي قبل السياسي، وما دامت الثورات التنويرية، على الطريقة الأوروبية، لا يمكن حدوثها في مجتمعاتنا ما دمنا نعيش في عهد استبدادٍ متحالفٍ مع المؤسسات الدينية، على اختلاف انتماءاتها.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص