في الغُمَّة العربية

الساعة 07:52 صباحاً
عبد اللطيف السعدون

عبد اللطيف السعدون

لا تُبَشِّر الأحداث الجارية في المحيط السياسي العربي بعلامات تشير إلى إمكانية حصول انفراج تاريخي، لا في الأنظمة السياسية السائدة، ولا داخل المجتمعات العربية ومؤسساتها السياسية والمدنية المعنية بالإنسان وبالتقدُّم. أما النوافذ التي انفتحت قبل سنوات، بفعل الرياح العاصفة للحراك الاجتماعي الذي انفجر سنة 2011، وشمل أقطاراً عديدة، كما عَمَّت أصداؤه مختلف البلدان العربية، فإنها لم تُنْتِج ما كان مأمولاً منها، على الرغم من المكاسب والآثار العديدة التي ترتَّبت عنها هنا وهناك.  تتصارع اليوم في الجغرافيا العربية قوى إقليمية ودولية، تتصارع بصورة مكشوفة أحياناً، ومقنَّعَة أخرى. يحصل ذلك أمام أنظار العالم، وتتم في قلب الصراع مؤامراتٌ ومناوراتٌ تُسْتَخْدَمُ في سياقاتها أقطارٌ عربيةٌ في عمليات مواجهةٍ عنيفةٍ مع شعوب عربية، فنجد أنفسنا أمام عشرات القتلى ومئات الجرحى، وكثيرٍ من الدمار والخراب في العمارة، وفي الوجدان المكلوم، بفعل ما جرى ويجري.. ويعجز الجميع عن التصدّي لكل ما يقع، وتوقيف آلته المدمِّرة، فكيف نقترب من الراهن العربي، ونحن نودِّع سنة أكملت دورتها، ونستقبل أخرى جديدة؟
لم أجد مفردةً توجز الراهن العربي، في نهاية سنة 2018 ومطالع سنة 2019، أفضل من مفردة الغُمَّة، فالعرب يعيشون اليوم حالة اختلاطٍ يصعب فَكُّ رموزها، حالة ضيقٍ خانقة.. فمن منكم يدلُّ على ما جرى ويجري اليوم في سورية وليبيا واليمن؟ ومن منكم يوضح طبيعة الصراعات القائمة بين بعض دول الخليج؟ ومن منكم يشرح نوعية الخلافات التي أدت إلى إغلاق الحدود ومواصلة إغلاقها بين المغرب والجزائر؟
تبرز معطيات سياسية واجتماعية عديدة في عالمنا، أن أنظمتنا السياسية تُواجِه كثيراً من مظاهر الوَهَن في السياسة، وكثيراً من التقليد والمحافظة في الثقافة والتعليم، كما تواجه تنظيماتُنا السياسية المعارِضة أعطاباً تشلّها عن العمل، يحصل هذا في وقتٍ نعرف فيه أن رفع علامات الغُمَّة المطبقة على أنفاسنا وعقولنا يتطلَّب منا جهدا كثيرا يسمح بإمكانية تجاوُز مختلف المعضلات التي تصنع في الراهن العربي كثيراً من مظاهر الارتباك السياسي العصيّ على الفهم، وقد أصبح عنواناً بارزاً في كل ما يجري في مجتمعاتنا، وعلى أرضنا.
نُواجه اليوم علامات تراجع كثيرة، عن مكاسب كثيرة اعتقدنا زمناً طويلاً أنها أصبحت راسخةً في حاضرنا، فترتفع درجات خوفنا من تراجعاتٍ أخرى، نتصوَّرُها قادمة، ونفترض أنها لو حصلت ستدفعنا أَسْفَلَ سافلين، حيث يزداد عجزُنا، وتتقلص درجات تفاؤلنا برياح التغيير التي حملتها الثورات العربية، فقد أنتج مكر التاريخ جملةً من المعطيات التي تساهم اليوم في محاصرة مكاسبنا وطموحاتنا، حيث أصبحنا نُعايِن، في ساحات عربية كثيرة، عودة إلى لغةٍ وآلياتٍ في العمل، سمتها الأساس المحافظة، الأمر الذي يتطلب مزيداً من التنظيم والعمل والتعبئة، ومزيداً من الانتصار للغة العقل والتاريخ.
يقف المرء حائراً أمام أنظمةٍ بنت مؤسساتٍ إقليمية للتشاور والعمل، وعجزت عن تنظيم لقاءات داخلها قصد الاستماع لبعضها، والتفكير في كيفيات إيجاد الحلول المناسبة لمختلف أوجه الخلاف التي تنشأ بينها.. يصعب إيجاد مخرجٍ من كل هذه المآزق التي تُكَبِّلُ حاضرنا، مخرج يرفع عنا الكُرْبَة التي تملأ أفئدتنا وتَشُلُّ عقولنا.. لا مجال اليوم في عالمنا، وداخل مجتمعاتنا، لا للبهجة ولا لِلْحُبُور، مثلما أنه لا مجال لا للغبطة ولا للوضوح، فقد اختلطت الأمور، والغُمَّة وحدها تملأ الصدور، وتعمي البصَر والبصيرة.. هذا إذا لم نُضِف لكل ما سبق الغِلَّ والجَزَع.
نعيش اليوم، ونحن نبدأ سنة جديدة، تحولاتٍ تاريخيةً مفروضةً علينا بمفعول محصلة تاريخنا، بحكم أننا لم نتمكّن من بناء تاريخنا الذاتي بوسائلنا الخاصة، فقد تخلينا عن مشروعنا في وعَوَّدنا أنفسنا لغة التساهل مع ذواتنا، والإعلاء من تاريخ المؤامرات التي نعتقد أنها دُبِّرت وتُدَبَّر بهدف محاصرتنا، من دون أن نتمكن من إنجاز التشخيص التاريخي، الكاشف عن جوانب من مسؤولياتنا الكبرى، في كل ما أصابنا من ويلات، ولحقنا من دمار.
اختفت شعارات النهضة والتنوير، كما اندثرت الأحلام الوحدوية. أما تطلعاتنا الهادفة إلى التقدُّم والتنمية والعدالة وتكافؤ الفرص، فإنها تكاد تختفي من المتداول في ثقافتنا السياسية. اختفت شعارات تحرير الأرض والإنسان، ليس في فلسطين وحدها، بل في مختلف البلدان العربية، وبدون استثناء، فقد أصبحنا في زمن التطرّف والطائفية والتطبيع المعمَّم أمام أسلحة جديدة، وأمام قيَم منسوبة إلينا، ولا عهد لنا بها. نحن نشير هنا إلى قيم الحرية والمواطنة والتسامح والعقل، إلا أن ما يحصل اليوم في عالمنا مشرقاً ومغرباً، في الخليج وفي الشام والعراق واليمن، وما يجري على أرض الكِنانة وفي السودان وبلدان المغرب العربي يضعنا من جديد في لحظة ضيق، لَحظةِ غُمَّةٍ، تقطع أنفاسنا وتجعلنا كائناتٍ بدون أفق. أصبحنا بمثابة كائناتٍ تهيم على وجهها، اختفت الطموحات والشعارات، كما اختفت الأحلام، والتاريخ لا يُصْنَعُ، والتقدم لا يكون ممكناً من دون ما ذكرنا. فهل ستحمل أشهر السنة الجديدة وأيامها ما يُقَلِّص غمَّتنا؟

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص