عاموس عوز.. الصهيوني الحزين

الساعة 09:06 مساءاً
معن البياري

معن البياري

يحتاج الفلسطيني أن يصير نرويجيا، ليتلقّى بأريحيةٍ حزمة الأوصاف التي خلعها جدعون ليفي، في صحيفة هآرتس، على صديقه الذي توفي أخيرا عن 79 عاما، عاموس عوز، أشهر أدباء إسرائيل، وأمتنهم موهبةً ربما، ومنها أنه آخر الصهاينة الأخلاقيين، وإسرائيل ستكون دولةً مختلفةً من دونه. ولا تعود حاجة الفلسطيني خلع فلسطينيته، من أجل أن يرضى بما يوصَف به هذا المثقف، إلى أنه لا يكتفي من عوز برفضه احتلال الضفة الغربية والقدس الشرقية ومناهضته الاستيطان، وإنما هي القصّة من أول سطورها، فالكاتب المقيم منذ سنوات في لوائح مرشّحي جائزة نوبل للآداب يرى النزاع العربي الإسرائيلي على الأرض بين حقٍّ وحق، وليس بين حقٍّ ونقيضه. قضيتا الطرفين عادلتان، ووحدَه "حل الدولتين" ينهي نزاعهما، فاليهود والعرب في هذه الأرض يحتاجان إلى "طلاق" (بتعبيره). ولهذا، عندما سرّه نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، طالب بأن تقيم كل الدول سفاراتٍ لها في عاصمة الدولة الفلسطينية، القدس الشرقية. وهذا كلام موصول بالأطروحة الأهم في عقله السياسي: النظر إلى الشعبين، الفلسطيني واليهودي، متناظريْن.
الأعجوبة الأدبية، عاموس عوز، كما وصفه رئيس إسرائيل، روفين ريفلين، لا يُرضيه في قصائد "صديقه وخصمه ذي القامة الفارعة"، محمود درويش، أنها عن أوجاع درويش وحده، ولا تتفهّم أوجاع عوز أيضا، وأنها غاضبةٌ ومكتوبةٌ بالأبيض والأسود. قال هذا في كلمته التي قرئت في تأبينٍ للشاعر الفلسطيني في كفر ياسيف (في فلسطين 1948)، وقال أيضا إن لدى درويش والشاعر مناحيم بياليك (الشاعر القومي للإسرائيليين، توفي في 1934) المواساة نفسَها في أطراف الألم، و"لو التقيا لعثرا بالتأكيد على لحنٍ نفسيٍّ مشترك"، فبحسب الاشتراكي عوز، الشديد الإعجاب، في شبابه الأول، بمناحيم بيغن، والمولود لأبٍ ليتوانيٍّ يمينيٍّ متطرّف، وأم بولنديةٍ انتحرت في صباه، على الفلسطيني أن يقتنع بأن حرب 1948 كانت ضروريةً، ودفاعيةً، وعادلة، من أجل أن تقيم الحركة الصهيونية دولة إسرائيل في فلسطين، فلليهود حقّ في دولة، وأين يمكن إقامتها إذا لم يكن في فلسطين؟ على ما في سؤالٍ في آخر رواياته "يهوذا" (أو إنجيل يهوذا، بالإنكليزية)، في 2014، الرواية التي انكتب أنها تبرّئ يهوذا الإسخريوطي من خيانة المسيح.
ثمّة أرطالٌ من السذاجة في إلحاح كتاباتٍ عربيةٍ على صهيونية عاموس عوز التي لا تجعله يساريا حقا، في معرض التحذير من "الإعجاب" بهذا الرجل، سيما وقد اعتبره بعضُنا "أفضل الأعداء" .. المسألة ليست هنا أبدا، ومن الحماقة أن يتصوّر واحدُنا اليسار الصهيوني في ضفّة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. والأهم من هذه الحدّوتة أن نقرأ، نحن العرب، هذا الكاتب، المهم جدا في السرديات الإسرائيلية الحديثة، بوعي الحاجة إلى معرفةٍ لازمةٍ بالتنويعات الثقافية المتعدّدة في المحتوى العام للدولة العبرية، فليست مشاركة عاموس عوز في التظاهر ضد اجتياح بيروت صيف 1982 متضادّة مع تأييده الحروب العدوانية على قطاع غزة، والتي يراها ضرورةً لإنهاءِ التهديد الذي تمثّله حركة حماس. وهذا كله، في غضون تشديده، وهو قيادي مؤسّس في حركة السلام الآن، وله صوتُه في أوساطٍ ثقافيةٍ وفكريةٍ وإعلاميةٍ أميركيةٍ وأوروبية، على أن تحاول الصهيونية أن تستظلّ بمقادير وازنةٍ من الأخلاق، فالدولة التي أرادها المحاربون من أجلها ليست هذه التي تعمل على ضم "المناطق" العربية، وتنشط في الاستيطان، وتُضعف السلطة الفلسطينية.
نلتفت إلى السياسي عاموس عوز، الصهيوني الحزين كما سمّى نفسَه لمشاركته جنديا في حربي 1967 و1973 مع مناهضته الأولى (يُجيز السخرية من حالِه هذا!)، ولا ننشغل بما أنتج من أدب، ربما لأن ثلاثة كتبٍ فقط تُرجمت له إلى العربية (له 18 كتابا)، منها "قصة عن الحب والظلام"، الذي تُستغرب تسمية ناشره بالعربية (دار الجمل) في 2010، روايةً، فيما هو مذكّرات شخصية، (مهمة ومملّة معا في 760 صفحة)، وقد أحسن غالب هلسا صنيعا عندما أنجز كتابا، نشر في 1994، عن أدب عاموس عوز، بالإضاءة على أربع رواياتٍ له، متضمّنا ترجمة إحداها.. من أهم ما في هذه النصوص غياب الوجع الفلسطيني، وحضور شاحب للعربي،.. فيما يُغضِب صاحبَها في قصائد محمود درويش غيابُ وجع القادم إلى فلسطين غازيا ومحاربا ومحتلا!

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص