هزّ الفنجان

الساعة 10:41 مساءاً
أمجد ناصر

أمجد ناصر

تحدّثت في عمّان، مرةً، عن غياب قراءات الطقوس الشعبية، وخصوصاً التي تلازم حياة الأردني اليومية، في المتون الثقافية. بل ربما على مستوى علم الاجتماع أيضاً. الأغرب، غياب هذه الطقوس الاجتماعية، تقريباً، عن الإبداع الأدبي، الشعري على وجه التحديد. قد نرى وجودا للطقسي في "الأدبيات" العامية، الشفهية غالباً، وليس في تدوينات الفصحى. يمكنني أن أوسع هذا الزعم، ليشمل المشرق العربي، عكس ما هو عليه الحال في المغرب العربي.  

وأذكر أني تحدّثت، في هذا الإطار، عن الشاي، في أكثر مقال وكتابة، باعتباره وسيطا للأكل والحكي والضيافة وناظما لحياة الفقراء. إنه كما قلت مرةً "دم الأردنيين الأحمر القاني". الصباحات لا تكون صباحاتٍ إلاَّ به، والأكل الصعب لا يُسلس قياده إلا بمزيجه الحلو الذي يعقد الشفاه، وجلسات المصاطب والبرندات في العصاري والمساءات لا تكتمل من دون حضوره بروائحه المختلفة: النعنع، الميرمية، القرفة، إلخ. قد لا يكون للشاي عندنا طقسية تشبه طقسيته في المغرب، حيث لا يعتبر الشاي مجرّد مشروب يومي، يتخلل الأكل والكلام والسهر والضيافة، بل يتعداه إلى نوعٍ من طقس، له شروطه وأشكال توزّعه الطبقي، وله كذلك صناعة شعبية رائجة، وحضور في الشعر الشعبي والفن التشكيلي. وقد اشتغل المثقفون المغاربة على موضوع الشاي، باعتباره جزءاً من المتخيل الجماعي والهوية.

في مصر، الشاي مهم في الحياة اليومية لعامة المصريين، القرويين خصوصا. وللشاي عندهم مراتب في الثقل والخفّة. في مقاهينا هناك تراتبية، وشيء من الطقسية للشاي. شاي ثقيل. شاي خفيف. شاي بالحليب. شاي بالقرفة والجوز (الإينر). لكن الشاي، على الرغم من تخلله تفاصيل يومنا الأردني، لم يدخل على ما أظن في الكتابة والبحث. لم نسمع قصيدة تشبه قصيدة عبد الرحمن الأبنودي التي يقول فيها: كباية شاي القهوة (المقهى) غير كباية شاي البيت خالص! المشروب الذي له طقسيةٌ ورمزيةٌ خاصةٌ في بلادنا هو القهوة العربية (السادة)، ففي تقديمها وشربها تثوي رمزياتٌ ثقافيةٌ واجتماعيةٌ وأعرافٌ سائدة. هي مشروب الأعراس والمأتم، مشروب "الجاهات" والصلح على الدم. شربها أو عدمه يعني الموافقة على شيء أو رفضه. لهزّ الفنجان معنى، لعدم هزّه معنى آخر. بل إلى أي حد نملأ الفنجان. ما الحد الذي إذا تجاوزته تكون أبعد ما تكون عن "معايير العرف"، وربما ينقلب المعنى: من التكريم إلى الإهانة!

تحريك الفنجان في العرس غير تحريكه في المأتم. الكلمات التي تقولها بعد شرب القهوة في فرح غير التي تقولها في ترح أو مصاب. تراتبية تقديم القهوة (من الأكبر إلى الأصغر أو من اليمين إلى الشمال) في المضافة والمجالس ليست هي نفسها في حالة أخرى. بأي يد تقدمها للضيوف، وماذا تفعل باليد الأخرى، وما إلى ذلك من أصولٍ مستقرةٍ في علاقتنا بها.  كم مرة في اليوم نشرب هذه القهوة، بهذه المعاني بالضبط، في بلادنا؟ حتما أكثر من مرة. ولكن مع ذلك دلّوني على كتابة (غير الشعر البدوي والفلاحي) تناولت هذا المشروب الذي تفيض منه رموزٌ، وينعقد حوله متخيّل جماعي موروث. البداوة الفعلية في بلادنا لم تعد موجودة، كما كانت عليه من قبل، بقيت عادات البداوة، وبعض أوجه ثقافتها وطقسيتها، وفي مقدمتها المعنى الاجتماعي والثقافي للقهوة وطريقة تقديمها.

أحب فعلا أن أعرف إن كانت هناك كتابة تناولت هذا الأمر. هل هناك في الجامعات الأردنية، وهي بالعشرات، من أعدَّ اطروحةً في هذا الشأن؟ قد يكون، ولكني لم أسمع بذلك. وبالعودة إلى موضوع الشاي لعلني أردت، أنا الذي يحب المقاهي، وجلس فيها طويلا، لفت النظر إلى غيابه عن المدونة الثقافية والبحثية في الأردن. لكن بعضهم يظن أن موضوعات الكتابة هي في مكان آخر. هل لدينا كتابٌ في هذه الطقسيات يشبه كتاب "من الشاي إلى الأتاي.. العادة والتاريخ"، للباحثيْن المغربييْن عبد الأحد السبتي وعبد الرحمن الخصاصي، الصادر عن كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة محمد الخامس في الرباط؟ أشك في ذلك، وإن كان هناك أرجو أن تدلوني إليه.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص