أرجوك لا تحكِ لي عن الشرف

الساعة 06:46 مساءاً
خطيب بدلة

خطيب بدلة

كتب لي أحدُ متابعي منشوراتي، على الخاص: يا سيد خطيب بدلة، بعض منشوراتك تُثَبِّط العزائم، وخصوصاً عندما تكتب تحت عنوان "مصارحات".. لم أكن أعرف أنت من أي بلد، لذلك سألت عنك، فقيل لي إنك سوري من معرتمصرين، فاستغربتُ ذلك، لأنني أعرف أن أهل معرتمصرين أناس ذوو شرف، وكرامة، وعزة، وأخلاق حميدة.
أغرتني الفكرة التي نسج الرجل عليها رسالته، فكتبت له: أولاً، شكراً لهذا الإطراء، ثانياً، مَن قال لك إنَّ كل أهل معرتمصرين شرفاء؟ وكيف يعني شرفاء؟ هل لديك فكرة محدّدة عن الشرف؟ إنني، والله، لا أتعمدُ مُمَاحكتك لإحراجك، ولكني أخاف أن تكون حضرتك ممن يصنّفون "الزلمة" الذي يذبح أخته، ابنته، زوجته، أمه، في خانة الشرف. أحياناً، يا صديقي، تحصل مواقف تنتمي، ظاهرياً، إلى مفهوم الشرف، كأن يضبط أحدُ الرجال زوجته وهي تمارسُ الجنس مع رجل آخر، في هذه الحالة نتوقع من الرجل أن يذهب إلى أقصى حالات "الشَرْفَنَة" ويذبحُها، أو يكون أقل دمويةً فيطلقها، ويعلن بين الناس أنها "عابت".. هل تعلم ماذا سيحصل بعد ذلك؟ إن قلة الشرف تلتصق بهذا الرجل وسلالته، وكأنها الوشم. لنفرض أن أحد أبناء تلك المرأة تزوج، وخلف ابنة، وبعد حوالي أربعين سنة، يأتي أحدُ الشبان من بلدةٍ أخرى ليخطبها، ويذهب أهلُه إلى بلدة أهلها للسؤال عن هذه العائلة، فيقال له: والله البنت لم نسمع عنها شيء معيب، لكن المرحومة جدتها كانت عايبة!
لقد آنَ لنا، ونحن في سنة 2018، أن نتخلّص من هذه المفاهيم المتوارثة ذات الطبيعة الإنشائية الخطابية. تصوّر، يا أخي، في سنة 1994، اجتمع حافظ الأسد الذي مسح بشرف السوريين الأرض، مع الرئيس الأميركي بيل كلينتون، وقال، بجرأة نادرة، إن خيارنا الاستراتيجي هو السلام مع العدو الإسرائيلي. وأضاف: قاتلنا بشرف، وسوف نذهب إلى السلام بشرف. وفي سنة 2018، أي بعد حوالي 24 سنة، جلست المدعوة بثينة شعبان في استوديو قناة الميادين، وراحت تتحدث عن القائد المولع بالشرف، مع العلم أن كلينتون كتب، في مذكراته، ولا بد أن المدعوة بثينة قرأت تلك المذكرات، إنه حصل من الأسد على تنازلين كبيرين، استعداده للاعتراف الكامل بإسرائيل مقابل الانسحاب من الجولان، واستعداده للانسحاب من لبنان مقابل حل شامل في الشرق الأوسط. 
نعم، يا صديقي، لدى أهل معرتمصرين شرف، ولديهم، كما تقول أنت، كرامة، لكن مفهوم الكرامة هو الآخر يحتاج إلى تدقيق، لأنه نسبي، ولا يوجد في العالم شخص واحد لم تُهَنْ كرامتُه إفرادياً، أو مع أسرته، أو مع أهل بلدته، أو مع شعبه كله. وللتذكير، أقول لك إن أستاذنا الراحل، صادق العظم، كتب إن أكبر إهانةٍ لكرامة الشعب السوري تحققت مع توريث بشار الأسد حكم سورية في سنة 2000. وأنا أضيف، من عندي، إن بشار الأسد، مسح، وما يزال يمسح، بكرامة السوريين الأرض.. 
الهتاف الذي نسمعه من المعتصمين والمتظاهرين، منذ 2011، "الشعب السوري ما بينذل"، هو في إطار التمنيات، وإن ثورتنا هي ثورة "كرامة"، فنحن، يا أخي، نُهان يومياً. والله إنني أشعر بالإهانة، حينما أرى بشار الجعفري يتحدث باسمنا، نحن السوريين، في الأمم المتحدة، وأهان إذ أرى بشار الأسد يتحدّث عن الإرهاب، وكذلك الحال عندما خالد العبود وسالم زهران وناصر قنديل يحللون. وتصبح كرامتي في الأرض حينما أرى معارضين سوريين عليهم القيمة يدافعون عن جبهة النصرة، وعناصر من الجيش الحر يعتدون على مدنيين سوريين أكراد، ويلتعن أبو شرفي وأنا أرى أهل بلدي يشكلون حاضنةً شعبيةً لمن يذلهم ويذل نساءهم إذا يأمرهن بارتداء ثياب سوداء غامقة، تشحط في أثناء المشي على الأرض.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص