بين الفانتازيا والتقية

الساعة 10:03 مساءاً
رشا عمران

رشا عمران

كان قد مضى أكثر من ثماني عشرة ساعة، وأنا تحت التخدير العميق، في عملية جراحية تعتبر من أخطر العمليات في العالم. حين صحوت وبدأت أستعيد ذاكرتي التي فقدتها تماما مدة دقيقة، إلى درجة أنني نسيت فيها من أنا، قبل أن أتذكّر ما حصل معي، وأنني كنت قد دخلت المستشفى لإجراء عمل جراحي خطير، وإذ بي أسمع صوت مقرئ يرتّل القرآن. الصوت كان قريبا جدا، وأنا أتصارع بين اليقظة والنوم العميق، وذاكرتي مشوّشة، فكّرت لوهلة أنني قد مت في أثناء إجراء العملية الجراحية، وأن القرآن الذي أسمعه من جنازتي، وفكرت أيضا أن ما كان يقال في قريتي إن الميت يشعر بما حوله، حتى لحظة إلقاء التراب عليه في القبر حقيقي، فأنا أسمع صوت القرآن قادما من مكانٍ بقربي، حتى كأنه في أذني، ليقطعه صوتٌ بشريٌّ يقول لي التالي: "أنت الآن في غرفة العناية المركّزة لمرضى القلب المفتوح، وتصحين من التخدير، وسنقوم بالخطوات التالية..." ، عرفت بعد وقت قصير أن صوت القرآن كان قادما من قناة تلفزيونية، تعرضها شاشة معلقة على الحائط المقابل لسريري.

لا تكاد مدينة عربية تخلو من صوت القرآن الكريم. أينما تتجوّل في بلاد العرب سوف تسمع آياتٍ قرآنيةً ترتلها أصوات مختلفة، ليست الجوامع والمساجد الكثيرة هي فقط من يبث هذه الآيات، بل نسمعها من كل مكان وفي كل مكان، في المحال التجارية الصغيرة، في المولات الكبيرة، في سيارات الأجرة، في أسواق الخضرة، في مدارس حكومية عديدة، في حافلات النقل العامة، في الطائرات، في أجهزة الهاتف النقالة، في المصاعد، في بعض المطاعم وسط قرقعة الملاعق والأطباق. حاليا نسمعه وسط المعارك وأصوات الانفجارات والقنابل والصواريخ المتفجرة. في الموت والجنازات طبعا، في الأفراح، في الاجتماعات الرسمية. نسمع صوت القرآن في وسط الازدحام والضجيج، بأصوات مقرئين مختلفين، حتى تتداخل الأصوات وطريقة التجويد مع بعضها بعضا، ومع الضجيج الذي تحدثه أصوات الحياة المتناقضة، صراخ طفل من هنا، خناقة بين امرأتين، أصوات الباعة، زمامير السيارات، صوت هدير طائرة تحلق على ارتفاع منخفض، صوت سيارة إسعاف مسرعة، صوت أغنيةٍ بإيقاعٍ راقصٍ صادر من سيارة عابرة. تخيّلوا وسط كل هذا الحشد الصوتي اللامتناغم أن تسمعوا القرآن الكريم، وأيضا بأصوات عديدة، بحيث لا تستطيعون تمييز صوت من آخر، وبحيث يصبح كلام الله تعالى جزءا صغيرا وغير واضح من كل ضاج وصاخب، يصيب حاسة السمع بالتشوه.

يقول الله تعالى في سورة الأعراف: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا، لعلكم ترحمون، واذكر ربك في نفسك تضرّعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين). ومع ذلك، يتناسى من يدعون الإيمان هذه الآية العظيمة التي تحدد علاقة المؤمن لتكون بينه وبين خالقه، من دون فرض إيمانه على الآخرين، أو استعراض هذا الإيمان حالةً من حالات التشاوف الاجتماعي الذي أصبح ظاهرة إسلامية بامتياز، حيث لم يعد الإيمان حالةً روحانيةً، تستند أولا إلى كلام الله تعالى، وثانيا إلى الضمير والوجدان الشخصي الذي يميز الحقّ من الباطل، والصح من الخطأ، بل تحول إلى حالةٍ من المباهاة والنفاق الاجتماعي، بحيث يفعل مدّعي الإيمان كل ما يخطر في البال من أخطاء وموبقات، طالما هو يلبس لباس التدين، ويتستر تحت عباءة الإيمان.

لا يردع القرآن الكريم الذي يستمع إليه بعض التجار في محالهم من النصب على المشترين. ينطبق الحال نفسه على بعض سائقي التاكسي وأصحاب المطاعم، وعلى شرائح واسعة في المجتمعات العربية، بحيث يبدو سماع القرآن يشبه الرشوة للمجتمع. وبشكل أعمق هو بمثابة الرشوة لله تعالى، فكأن الإله العظيم سوف يغضّ النظر عن فاسدٍ ما طالما يستمع هذا الفاسد إلى كلام الله ليل نهار. هذا النفاق الديني الذي يتحول إلى سياق عام يسري على كل مجالات العيش في بلادنا، وهو مرتبط، أولا، ارتباطا وثيقا بمنظوماتٍ استبداديةٍ حاكمةٍ تجبر المواطنين على التقية في كل شيء.

ما زلت، وبعد مرور ما يقارب عامين على الحادثة، أتساءل عن المغزى من أن يسمع مريضٌ مخدر عشرين ساعة قرآنا كريما أول استفاقته من البنج، والقرآن أصلا مرتبطٌ في أذهاننا بالموت أكثر من ارتباطه بالحياة، طبعا من دون السؤال عن المغزى من وجود شاشة تلفزيون في غرفة العناية المركّزة للقلب المفتوح.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص